تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

٨٦ بيت

الحكمة

غيلان:

وصلتُ إلى هنا باكياً،

لا أدري كيف جئتُ، ولا من جاء بي.

لستُ منتميًا،

كافرًا أم مؤمنًا؟ لا أدري.

إنه رأيك، والتعريف ليس إلا.

مُخيَّرٌ أنا، حرُّ الإرادة، أم مسيَّرٌ؟ لا أدري.

ما خُيِّرتُ، ولا استُشرِت حين أُتِيَ بي إلى هنا.

الروحُ لا تنتمي هنا،

ربما ستنتمي في أرض ما،

ولكن ليس هنا.

حين أُتِيَ بي، لم يُخبروني أن للأمر نهاية،

خالقٌ ومخلوقٌ، نارٌ حامية،

ثم أموالٌ وأطماعٌ وبنون،

وأسيادٌ وعبيد، صلواتٌ وقرابين…

ثم بعدها نموت؟

ثم نارٌ تلظى تحرق الأبدان، والكفن.

ستُصلى نارًا يا دمشقي، وتَنصلي!

لا رعى اللهُ نهارك،

أهذي بشرى أم حزن؟

أبشرني أم انذرني؟

أو بلى، قد استسلمت،

قبلت راغبًا أم راهبًا… أين اليقين؟

رغباتنا، شهواتنا، عيوبنا، ورثناها بلا إرادة.

ورثنا خيرًا كثيرًا – كالجراد انتشارًا –

وأمراضًا وفقراً وجهلاً،

ورثنا بعدها الوباء، والحروب، والجوع، والحزن، والغربة والشجن.

ثم نموت جميعًا.

نعم، جميعنا نموت.

ثم قبرٌ، حشرٌ، حسابٌ وعقاب.

إلهي، سيّدي، لماذا العقاب؟

وأي ذنبٍ اقترفتُ لأنال عقابًا؟

خالدٌ مخلدٌ، مدانٌ، ملحدٌ أو مؤمن،

هناك… لا بد من عقاب.

مُجبَرٌ أفعل ما فعلت؟ هكذا تقول.

ثم نصيبي العذاب؟

ارحم كما شئت، وإن شئت،

أعطني حريتي وانصرِف.

لا رعى الله نهارك… يوم العقاب.

أنا جائع، حافي القدمين،

في نهار قائظ لا ظل فيه.

أعطني حريتي، وانصرِف.

ورثتني خوفًا وحزنًا وطمعًا،

أورثتني ألمًا وخوفًا وطمعًا،

صحراء قاحلة، ووادٍ غير ذي زرع،

حربًا وأحقادًا، ثم الهلع، والغدر والدجل، والأسى السرمدي.

أعطني حريتي…

لا رعى الله نهارك… وانصرِف.

الجهم:

انصرِف إلى شأنك،

لو أفعل ما تشاء،

إن تُصِب خيرًا فهو لك،

وإن تُصِب شرًّا فهو لك.

هذا رغيف الخبز لا تأكله،

إياك تأكله.

أنا أعطيتك لتشبَع،

أغنيتك عن جوع، وأمّنتك من خوف… ألم تجزع؟

افعَل الخير وأكثِر، هيا نهرع.

أنت مجبر، وكل ما فعلت سابقٌ ولاحق،

لك مكتوب مقدر.

خلقت من تراب، وتنتهي ترابًا،

عيشة أولها العناء، وآخرها الفناء.

هكذا مُقدَّر.

تعود يوم القيامة، يوم لا يُبقي ولا يذر.

نعم، مكتوب ومحفوظ مقدر.

هل علمت؟

المخبر السري بين منكبيك،

لا يصحو ولا ينام،

لا يترك شيئًا يكتبُه ولا يذر.

أنت عبد، رقيق خانع،

أنت عبد تافه ذليل،

مرتكب كل النقائص والذنوب والموبقات.

أراك تركتني جزُرًا لليوث الفلاوات.

إلهك غفار رحيم،

وإلهي شديد العاقبات.

مقدّرة لك أفعالك، وأنت لها مقدّر.

ستُصلى نارًا إن كذبت، يا لعين،

تُصلى إن آمنت دون يقين،

تُصلى إن نسيت فرض الله وفضله وظله.

غيلان:

نعم يا سيّدي،

رضيت أن أموت،

أموت وأنسى وأنُنسى.

أرجوك…

هبني من حر الإرادة

أعطني حريتي ثم انصرف