أنت كالورد من الأرض بدا
من ضمير الذات نِلتَ المولدا
لا تعدَّ الذات و اخلد أبدا
قطرة كنْ و اشرب البحر صدى
إنما الربح بهذي الثروة
و الغنى في حفظ هذي السلعة
أنت موجودٌ و في خوف العدمْ
يا أسير الوهم أخطأت الفَهَمْ
عندي الخُبْر بأوتار الحياهْ
سأنبِّيك بأسرار الحياهْ
غوصةٌ في النفس غوص الدرة
و ظهورٌ بعد هذي الخلوة
هي جمعٌ من رمادٍ شررا
و اشتعالٌ بعدُ يُعشي البصرا
هي حول الذات طوفٌ فاعلمِ
و اجعلنْ نفسك بيت الحرم
حلِّقن في اللوح عن جذب التراب
من هُوِيٍّ لا تخف مثل العقابْ
أنت إن لم تكُ طيراً ويحكا
فعن الغار فأبعد عشكا
أيها الجاهد في كسب العلومْ
عن إمام الروم خذ نصح الحكيم
إنما العلمُ لدى الجسم شقاء
و هو في القلب دواءٌ و شفاء
قصَّة الرومي تقضي بالعجب
كان فيضاً من علوم في حلَبْ
و على رجليه للعقل قيود
في ظلام العقل بالفُلك يرود
هو موسى دون طورٍ يُشرق
ما درى ما العشق أو منْ يعشقُ
و عن الإشراق و الشك حكى
و من الحكمة درَّاً سلكا
و عن المَشَّاء حلَّ العقدا
كلٌّ خاف من سناه قد بدا
و حواليه صِوانُ الكتبِ
و على فيه بيان الكتب
أمَّ يوماً مكتبَ المُلا جلالْ
شيخ تبريز بأمرٍ من كمال
قال: ماذا القال و القيل و ما
من قياسٍ و دليلٍ أوهما
صرخ الرومي : مهلاً يا جهول
لا تهوِّن من مقالات العقول
اخرُجن من مكتبي يا أبله
قالنا و القيل أنى تفقه
قالنا أرفعُ مما تعقل
سُرُج الإدراك منه تُشعل
نارُ شمس الدين زادت حرقا
فرمى من روحهِ ما أحرقا
فاستطار البرق من نظرته
و تلظَّى الترب من شعلته
فإذا الإدراك من نار القلوب
محرقٌ و الكتبُ منها في لهيبْ
جهل الرومي عشقاً أُضرما
ما درت أوتاره ذا النغما
قال: هذي النار ما قصتها
أحرقت أسفارنا وقدتها
قال شمس الدين يا ذا المسلم
ذوقنا و الحالَ أنَّى تعلَم
حالنا أرفعُ مما تفكرُ
و لظانا الكيمياء الأحمر
تجمع الحكمة زاداً بردا
فسحاب الفكر يهمي بردا
من هشيمٍ فيك أذكِ اللهبا
منْ ترابٍ فيك أطلع شُهبا
من لهيب القلب علمُ الكامل
مقصدُ الإسلام ترك الآفل
صدَّ إبراهيم عما يأفلُ
فحوته كالجِنان الشعلُ
قد نبذت الدين ظِهرياً و ما
تبتغي بالدين إلا الدرهما
أيها الساعي لكحل المقل
غافلاً عما به من كَحَل
من فم التنين فابغِ الكوثرا
و اسألنْ ماء الحياة الخنجرا
حجر الكعبة من بيت الوثنْ
التمس و المسكَ في الكلب اطلبن
طفِّئ العشق بعلم الحاضرِ
لا تؤمِّلْ كأس هذا الكافر
قد براني السعي في كل بعيد
و عرفت السر في العلم الجديد
و حباني سرَّ هذي الجنة
قيِّمُ البستان بعد الخبرة
علمُ ذا العصر حجابٌ أكبرُ
يعبد الوثن و فيها يَتجر
من حدود الحسِّ لا ينطلقُ
و له الظاهر سجنٌ مغلقُ
زلقت رجلاه في سبل الحياة
و ضعتْ في حلقه السيف يداه
كشقيقٍ فيه نارٌ هامدهْ
شعلةٌ كالطَّلِّ فيه بارده
من لهيبِ العشق تخلو فطرته
في طلاب الحق تبدو خيبته
عِللُ العقل لها العشق دواءْ
مبضعُ العشق لدى العقل شفاءْ
سجدَ العالَم للعشق الجليل
هو محمودٌ لأصنام العقول
جامهُ من نشوة الراح خلا
ليله عن وجد (يا رب) سلا
سَرْوك الباسقُ قد أغفلته
كلُّ سروٍ غيره أكبرته
أنت كالناي خلِّي من جواك
بلحون الناس أعليت صداك
تبتغي نفسك في سوق سواك
و سماط الناس تجدوه يداك
من سراج الناس نادينا استعرْ
أحرق المسجد من ديرٍ شررْ
ظبينا خاف سواد الكعبة
فرماه صائدٌ في الثغرة
ورق الوردة كالعرفِ انتشرْ
جافلاً من نفسه عدْ للمقرّ
يا أمين السر من أم الكتابْ
هل إلى وحدة ماضينا إيابْ
نحن حرَّاس حصون الأمة
كفرنا ترك شعار الملة
أكؤس الساقي أراها كِسَرا
حفلُ نُدمان الحجاز انتشرا
تعمرُ الكعبة من أصنامنا
يضحك الكفرُ على إسلامنا
شيخنا باع الدمى ملته
جاعلاً زنَّاره سُبحته
شيَّخَ الشَّيْخَ بياض الشعر
و هو للأطفال مثل السُّخر
قلبه بيتٌ لأصنام هواهْ
فهو صفرٌ مقفرٌ من لا إله
يلبس الخِرقة من يُرخي الشعَر
آهِ للتاجر بالدين اتَّجر
بمريديه أدام السفرا
في هُدى أمَّته ما فكَّرا
أعينٌ عُميٌ حكاها النرجسُ
و صدورٌ من قلوبٍ تفلسُ
عبَّد الأشياخ فينا المنصب
حرمة الأمة منهم تذهبُ
واعظٌ عيناه شطرَ الوثنِ
و فتاوى تشترى بالثمنِ
وجهه للحانِ ولَّى شيخنا
يا رفاقي بعد ما تدبيرنا