لمّا سقطتُ حضنتُ القُدسَ مُنتشياً
أحنو عليها حنوَّ الأُمِّ للولَدِ
ما مِنْ مُجيبٍ لأنّاتٍ مقدَّسةٍ
أرضُ الرّسالاتِ لا تشكو إلى أحَدِ
كمْ يصبرُ الجرحُ والصبّارُ في فمِهِ
حتّى يجيءَ حصادُ الّلهِ بالرّغَدِ
وكمْ إلى عرَبٍ تشكو مدامعُها
وهمْ على وجهِها رشّوا حصى الكمَدِ
مالوا إلى بلدي يسقونَ حنطتَها
سمّاً فمَنْ يُخرِجُ الأغرابَ من بلدي؟
لترجعَ القدسُ قدساً في مرابعِنا
نمشي إليها بظلِّ الواحدِ الصّمَدِ
ومَنْ سيذكرُ عزَّ الدّينِ حينَ روتْ
دماؤهُ المسجدَ الأقصى فيا كبدي
ومَنْ يدثّرُ حيفا حينَ يلفحُها
بردُ الشّتاءِ بذرّاتٍ مِنَ البرَدِ
ومَنْ سيعلمُ إنّا أُمّةٌ تركتْ
عبادةَ الّلهِ نرجو الّلهَ بالمددِ
وللقيامةِ عندَ المسلمينَ هوًى
كأنّها المسجدُ الأقصى يداً بيدِ
غداً نحرّرُها مِنْ كفِّ طاغيةٍ
بها نصلّي بإذنِ الواحدِ الأحدِ
يا مَنْ تقولونَ : بالأعرابِ عزوتُنا
كفّوا وعودوا إلى التّاريخِ والسّندِ
ولتنظروا اليومَ مَنْ أسبابُ محنتِنا
فإنّها " خيبرٌ " تفني ضيا البلدِ
يَا صَاحِبيَّ الْأمَانِيْ وَالْبُكَا قَسَمَاً
هَيَّجْتُمَا الآهَ والأحْزَانَ فِيْ كَبَدِيْ
وَاهٍ عَلَى أُمَّةٍ بِالعِزِّ مَنْبَتُهَا
يَقْتَادُهَا الذُّلُ بِالأصْفَادِ وَالزَّرَدِ
صرنا كأمٍّ سبوا منها ابنها صرختْ
عودوا به فاستباحوا باقيَ الولدِ
بَغْدَادُ والشَّامُ والْأقْطَارُ هَاوِيَةٌ
إِلَى جَحِيْمٍ وَمَا لِلْغَوْثِ مِنْ أَحَدِ
وَالْقُدْسُ جُرْحٌ وَعَارٌ قضَّ مَضْجَعَنَا
مَا فَازَ مَنْ نَفْسُهُ نَامَتْ عَلَى الضَّمَدِ
هَيَّا بِنَا يَا رِفَاقَ الدَّرْبِ نَغْسُلُهُ
وَنَجْمَعُ العُرْبَ أَحْبَابَاً يَدَاً بِيَدِ
هَذَا التُّرابُ لَنَا نَرْوِيْهِ مِنْ دَمِنَا
فَيَشْمُخُ النَّخْلُ مِنْ بَغْدَادَ فِيْ صَفَدِ
ضاعَ الصّهيلُ وغابتْ زأرةُ الأسدِ
لمّا ضللنا انتهاجَ السّيرِ في الجَدَدِ
فلا صليلُ سيوفِ الزّيفِ تُسعفنا
لنجدةِ القدسِ ، أو ترسانةُ العُددِ
إنْ لمْ تكنْ أنفسٌ تصحو ضمائرُها
وتتّقي اللّهَ في الأوطانِ والولدِ
فتنبري الهمّةُ القعساءُ تطلبُها
بالصّدقِ تُسترْجعُ الأوطانُ والجَلَدِ
فهل نعودُ إلى الأمجادِ نرسمُها
وهل سنغسلُ أوضاراً عنِ البلدِ
وهلْ سنسمو على جرحٍ نكابدُهُ
وهلْ ستشفى عيونُ العُرْبِ مِنْ رمَدِ
يا قومُ قد طالتِ الغفْلاتُ ..فانتبِهوا
والنّصرُ آتٍ بإذنِ الواحدِ الأَحَدِ
عصرُ " المصائبِ" ملتاثٌ وصبيتُهُ
كلُّ الطّواغيتِ مغزاهمْ يبقونَ مِنْ أحَدِ
مغزاهمْ في قلوب النّاسِ جاحمُه
حقدٌ عليهمْ بلا عقلٍ ولا رشَدِ
أمّا الدّيار فتلقاها مصرَّدةً
لِما أضاعوا وما باعوهُ مِنْ بلدِ
همْ أرمدوهُ ليحيا فوقَ تربتِهِ
وما رعوا أنّه للأهلِ وللولدِ
فإنّها القدسُ تبقى لحنَ نغمتِنا
على خُطاها سنمشي رحلةَ الأبدِ
معاً ونبني جسورَ الطُّهرِ مِنْ فمِها
كي ننتهيْ مِنْ فسادِ الرّوحِ والجسدِ
فنرسمَ الفجرَ مِنْ ألوانِ صحوتِنا
ونطلقَ الصّوتَ مثلَ الطّائرِ الغَرِدِ