تخطَّ إلى المحتوى

يا ليلة جادت بوصل طيب

البسيط

٣٤٩ بيت

النسيب

يَا لَيْلَةً جَادَتْ بِوَصْلٍ طَيِّبُ

وَالبَرْدُ فِي أَطْرَافِهِ يَسْتَعْذِبُ

فِي مَوْعِدٍ ضَمَّ الحَبِيبَ بَهَاؤُهُ

وَالشَّوْقُ فِي أَعْمَاقِنَا يَتَلَهَّبُ

ثَلَاثَةٌ مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ ثُلِّثَتْ

مِنَ الدَّقَائِقِ، لِلْجَمَالِ تُنَسِّبُ

سِحْرٌ تَمَدَّدَ فِي الشِّتَاءِ كَأَنَّهُ

نُورٌ مِنَ الفَجْرِ البَعِيدِ يُقَرِّبُ

ثَلَاثَةٌ مِنْ بَعْدِ ثَلَاثِينَ انْقَضَتْ

وَالكَونُ فِي عَيْنِي يَغِيبُ وَيَهْرُبُ

وَافَتْ بِمِيعَادٍ قَصِيرٍ وَقْتُهُ

لَكِنَّهُ بِالسِّحْرِ كَانَ يُذَهِّبُ

مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ وَقْتاً ضَيِّقاً

يُحْيِي فُؤَاداً كَادَ يَوْماً يَغْرُبُ

لَكِنَّ حُسْنَكِ فِي الثَّلَاثِينَ انْبَرَى

آيَاتِ سِحْرٍ لِلْعُيُونِ تُحَبِّبُ

تِلْكَ الثَّلَاثُونَ الَّتِي قَدْ عِشْتُهَا

سِحْراً، لَهَا فَوْقَ الكَوَاكِبِ مَذْهَبُ

ثَلَاثُ دَقَّاتٍ تُتِمُّ نَعِيمَنَا

فِي لَحْظَةٍ فِيهَا الزَّمَانُ مُغَيَّبُ

أَثْنِي عَلَى طِيبِ الوِصَالِ وَإِنَّنِي

بِمَدِيحِ مَنْ أَهْوَى لَأَنْتَ المَكْسَبُ

مَدَحْتُ فِيكِ الخُلُقَ قَبْلَ مَلَامِحٍ

فَأَنْتِ بَدْرٌ فِي السَّمَاءِ مُهَذَّبُ

يَا حُسْنَ وَجْهٍ لَوْ بَدَا لِلْقُطْبِ مَا

بَقِيَ الجَلِيدُ وَلَا الشِّتَاءُ الأَشْهَبُ

سُبْحَانَ مَنْ صَاغَ الجَمَالَ بِرِقَّةٍ

وَسَقَاكِ سِحْراً لِلْعُقُولِ يُسَلِّبُ

بَيْضَاءُ تَنْهَلُّ الضِّيَاءَ كَأَنَّهَا

مِنْ جَوْهَرِ الدُّرِّ المُصَفَّى تُنْسَبُ

لَكِنَّ حُسْنَكِ فِي الثَّلَاثِينَ انْبَرَى

آيَاتِ سِحْرٍ لِلْعُيُونِ تُحَبِّبُ

بَيْضَاءُ لَوْ مَسَّتْ يَدِي بِيَمِينِهَا

صَارَ الجَمَادُ مِنَ النَّعُومَةِ يُعْجَبُ

نَعُمَتْ مَلَامِحُهَا وَرَقَّ قَوَامُهَا

فَالغُصْنُ مِنْ حُسْنِ التَّمَايُلِ يَعْجَبُ

نَعُمَتْ كَمِثْلِ الرِّيشِ مَلْمَسُ جِسْمِهَا

فِي لِينِهِ كُلُّ العَجَائِبِ تُرْكَبُ

رَقَّتْ بَشَرَتُهَا كَمَاءٍ صَافِيٍ

يَجْرِي بِهِ نَهْرُ الحَيَاةِ وَيَعْذُبُ

أَمَّا الشَّقَارَ فَفِي غَدَائِرِ شَعْرِهَا

شَمْسٌ عَلَى كَتِفِ الجَمَالِ مُسَيَّبُ

يَنْسَابُ مِثْلَ السَّيْلِ فَوْقَ جَبِينِهَا

وَعَلَى مَفَاتِنِ صَدْرِهَا يَتَحَلَّبُ

شَقْرَاءُ تُرْسِلُ كُلَّ سَهْمٍ قَاتِلٍ

مِنْ تَحْتِ هُدْبٍ كَالرِّمَاحِ يُصَوَّبُ

وَعُيُونُهَا لُغَةٌ تَحَارُ بِشَرْحِهَا

كُلُّ العُقُولِ وَلِلْبَيَانِ تُذَبْذِبُ

عَيْنَاكِ مَمْلَكَةٌ تَدُورُ بِخَاطِرِي

وَرِضَابُ ثَغْرِكِ لِلْمَشَاعِرِ مَشْرَبُ

مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ وَقْتاً ضَيِّقاً

يُحْيِي فُؤَاداً كَادَ يَوْماً يَغْرُبُ

وَكَأَنَّمَا الهُدْبُ الطَّوِيلُ حِرَاسَةٌ

لِخَزَائِنِ السِّحْرِ الَّتِي لَا تُغْلَبُ

نَظَرَتْ فَقُلْتُ: أَيَا مَلَاكُ تَرَفَّقِي

إِنَّ القُلُوبَ مِنَ اللِّحَاظِ تُسَلَّبُ

وَكَأَنَّمَا الهُدْبُ الطَّوِيلُ حِرَاسَةٌ

لِخَزَائِنِ السِّحْرِ الَّتِي لَا تُغْلَبُ

وَعَلَى الشِّفَاهِ يَذُوبُ شُهْدٌ صَافِيٌ

خَمْرٌ حَلَالٌ لِلْمُتَيَّمِ يُطْرِبُ

قُبُلَاتُهَا نَارٌ وَبَرْدٌ أُدْمِجَا

فِي لَحْظَةٍ فِيهَا الذَّكِيُّ يُغَيَّبُ

عَسَلٌ تَقَاطَرَ مِنْ جَنَايَ فَمِ الرِّضَا

لَوْ ذَاقَهُ الظَّمْآنُ لَا لَمْ يَشْغَبُ

أَمَّا العَبِيرُ فَقَدْ تَعَطَّرَ مَسْكُهُ

مِنْ نَفْحِ أَنْفَاسٍ عَنِ المِسْكِ تَنْوُبُ

رِيحُ القُرُنْفُلِ وَالخُزَامَى عِطْرُهَا

فِي كُلِّ جُزْءٍ لِلْمَشَامِ يُحَبِّبُ

ذَوْقٌ وَأَنَاقَةٌ فِي الثِّيَابِ بَدِيعَةٌ

وَالحُسْنُ فِيهَا بِالرَّصَانَةِ يُعْقِبُ

تَخْتَالُ فِي حُلَلِ الدَّلَالِ أَمِيرَةً

تَاُج الجَمَالِ عَلَى عُلَاهَا يُنْصَبُ

لَمَسَتْ يَمِينِي فَالجُسُومُ نَوَاعِمٌ

أَلْيَنُ مِنْ خَزِّ القَمَاشِ وَأَعْذَبُ

رَقَّتْ بَشَرَتُهَا كَمَاءٍ صَافِيٍ

يَجْرِي بِهِ نَهْرُ الحَيَاةِ وَيَعْذُبُ

ثَوْبٌ عَلَيْكِ مِنَ الأَنَاقَةِ فَاخِرٌ

لَوْنُ السَّوَادِ لِكُلِّ سِحْرٍ يَجْذِبُ

وَالشَّالُ يَلْتَفُّ الرَّقِيقَ بِجِيدِهَا

دِفْءٌ عَلَى غُصْنِ اللَّطَافَةِ يُسْكَبُ

بَيْضَاءُ لَوْ مَسَّتْ يَدِي بِيَمِينِهَا

صَارَ الجَمَادُ مِنَ النَّعُومَةِ يُعْجَبُ

يَا ذَوْقَهَا العَالِي إِذَا مَا ارْتَدَتْ

بُرْدَ الوَقَارِ، وَلِلْقُلُوبِ تُسَبِّبُ

سُبْحَانَ مَنْ صَاغَ الجَمَالَ بِرِقَّةٍ

وَسَقَاكِ سِحْراً لِلْعُقُولِ يُسَلِّبُ

وَاللَّحْظَةُ السَّكْرَى تَمُرُّ كَأَنَّهَا

حُلُمٌ بِأَفْرَاحِ الجِنَانِ يُشَرِّبُ

تِلْكَ الدَّقَائِقُ قَدْ سَرَتْ فِي رُوحِنَا

دَمَاً، وَفِي أَعْمَاقِنَا تَتَسَرَّبُ

سِحْرُ التَّلَاقِي كَانَ أَعْظَمَ رُتْبَةً

مِنْ كُلِّ مَا قَدْ خُطَّ أَوْ يُسْتَكْتَبُ

مَا كَانَ عَدُّ الوَقْتِ إِلَّا حِيلَةً

فِي حَضْرَةِ الحُسْنِ الَّذِي لَا يُنْحَبُ

إِذْ كُلُّ ثَانِيَةٍ تَمُرُّ بِقُرْبِهَا

تَارِيخُ عِشْقٍ لِلْخُلُودِ يُبَوَّبُ

كَانَ السُّكُوتُ عَلَى الشِّفَاهِ بَلَاغَةً

تُنْبِي عَنِ الشَّوْقِ الَّذِي لَا يُغْلَبُ

وَعُيُونُنَا تَحْكِي رِوَايَةَ كَوْنِنَا

فِي لَحْظَةٍ فِيهَا الزَّمَانُ يُؤَدَّبُ

رَوْعَاتُ هَذَا الوَصْلِ فَوْقَ خَيَالِنَا

فِيهَا يَهِييمُ العَقْلُ بَلْ يَتَعَجَّبُ

قَدْ صَارَ ذَاكَ الرُّكْنُ مَعْبَدَ فِتْنَةٍ

فِي صَمْتِهِ حُبُّ القُلُوبِ يُجَرَّبُ

مَا طَابَ لِي إِلَّا انْسِكَابُ جَمَالِهَا

نُوراً بِدَيْمُومَةِ الهَوَى يَتَقَطَّبُ

نَحْنُ التَقَيْنَا وَالشِّتَاءُ شَوَاهِدٌ

أَنَّ الدِّفَاءَ مِنَ القُلُوبِ يُهَيَّبُ

يَا رَوْعَةً جَمَعَتْ شَتَاتَ نُفُوسِنَا

فِي مَوْعِدٍ مِنْهُ الضِّيَاءُ يُهَذَّبُ

أَنْتِ الَّتِي صَيَّرْتِ عُمْرِي جَنَّةً

فِي كُلِّ فَصْلٍ لِلْوِصَالِ تُشَبَّبُ

نَحْنُ التَقَيْنَا وَالشِّتَاءُ شَوَاهِدٌ

أَنَّ الدِّفَاءَ مِنَ القُلُوبِ يُهَيَّبُ

يَا رَوْعَةً جَمَعَتْ شَتَاتَ نُفُوسِنَا

فِي مَوْعِدٍ مِنْهُ الضِّيَاءُ يُهَذَّبُ

وَتَقَدَّمَتْ نَحْوِي بِكَأْسِ مَوَدَّةٍ

سَمْرَاءُ مِنْ يَدِهَا النَّعِيمُ يُجَلَّبُ

مَزَجَتْ بِهِ طِيبَ الوِصَالِ وَرِقَّةً

فَغَدَا لِعَقْلِي فِي المَحَبَّةِ يَخْلِبُ

رَشَفَاتُهَا سِحْرٌ يُخَالِطُ مُهْجَتِي

وَالبُنُّ فِي ثَغْرِ الحَبِيبَةِ أَعْذَبُ

نَظَرَتْ إِلَيَّ بِلَوْعَةٍ مَشْبُوبَةٍ

تَبْكِي، وَلِلسِّرِّ المَصُونِ تُقَلِّبُ

قَالَتْ: "أَقِمْ، لَا تَرْحَلَنَّ فَلَمْ أَزَلْ

أَحْتَاجُ وَصْلَكَ، وَالزَّمَانُ مُقَطِّبُ"

فَأَجَبْتُهَا: "رُوحِي لَدَيْكِ مَقَامُهَا

أَمَّا الجُسُومُ فَلِلشَّتَاتِ تُعَلَّبُ"

وَعَدَتْنِيَ الوَعْدَ الوَثِيقَ بِأَنَّنَا

جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الغَرَامِ يُهَذَّبُ

نَطَقَتْ: "بِرَبِّ الحُبِّ خُذْ مِيْثَاقَنَا

أَلَّا يَمِيلَ بِنَا الزَّمَانُ الأَشْيَبُ"

مَدَّتْ لِيَ الكَفَّ الرَّقِيقَ بِدِفْئِهَا

فَكَأَنَّنِي مِنْ شَهْدِهَا أَتَقَرَّبُ

قَالَتْ وَفِي القَلْبِ الجَرِيحِ صَبَابَةٌ:

"يَا كُلَّ عُمْرِي، هَلْ تُراكَ سَتَذْهَبُ؟"

"قَدْ حَانَ وَقْتُ لِلرَّحِيلِ مُعَجَّلٌ"

لَكِنَّ عَيْنِي فِي سَنَاكِ تُرَقِّبُ

تَمَّ الحَدِيثُ بِمُهْجَةٍ وَتَحَسُّرٍ

وَعُيُونُنَا لِلْبَيْنِ بَعْدُ تُؤَدَّبُ

لَمْ نَبْغِ بَعْدَ القُرْبِ أَيَّ تَبَاعُدٍ

لَكِنَّ لَيْلَ العَاشِقِينَ مُجَرَّبُ

عِشْنَا الدَّقَائِقَ فِي حَدِيثٍ خَالِدٍ

فِيهِ الشُّجُونُ مَعَ الهَوَى تَتَقَلَّبُ

[رابعاً: معاناة الشتاء ولوعة الفراق]

يَا بَرْدُ رِفْقاً فَاللِّقَاءُ مُعَذِّبُ

وَلَهِييبُ شَوْقِي فِي الحَنَايَا يَنْصَبُ

وَالمَاءُ فِي قَطَرَاتِهِ يَتَصَبَّبُ

مِنْ صَيِّبٍ فَوْقَ الزُّجَاجِ يُصَوَّبُ

أَنْفَاسُنَا مِثْلَ الضَّبَابِ تَصَاعَدَتْ

وَالرِّيحُ خَلْفَ النَّافِذَاتِ تُقَطِّبُ

فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ القَصِيِّ تَزَاحَمَتْ

أَشْوَاقُنَا، وَالبَرْدُ فِينَا يُثْقِبُ

كَمْ كَانَ يُرْعِشُنَا الشِّتَاءُ بِكِلْمَةٍ

مِنْهَا القُلُوبُ مِنَ المَخَافَةِ تُرْعَبُ

دَنَتِ المَنِيَّةُ لِلْوَدَاعِ وَمَا لَنَا

إِلَّا عِنَاقٌ لِلْهُمُومِ يُذَوِّبُ

يَا حُزْنَنَا الطَّاغِي إِذَا مَا أَقْبَلَتْ

سَاعَاتُ بَيْنٍ لِلْمَدَامِعِ تَجْلِبُ

كَمْ قُلْتِ لِي: وَقْتُ اللِّقَاءِ مُخَاتِلٌ

يَمْضِي سَرِيعاً وَالكَآبَةُ تُعْقِبُ

حَتَّى تَرَامَى الظِّلُّ نَحْوَ رَحِيلِنَا

وَالقَلْبُ مِنْ هَوْلِ الفِرَاقِ يُعَذَّبُ

قَالَتْ وَفِي القَلْبِ الجَرِيحِ صَبَابَةٌ:

"يَا كُلَّ عُمْرِي، هَلْ تُراكَ سَتَذْهَبُ؟"

"قَدْ حَانَ وَقْتُ لِلرَّحِيلِ مُعَجَّلٌ"

لَكِنَّ عَيْنِي فِي سَنَاكِ تُرَقِّبُ

نَظَرَتْ إِلَيَّ بِلَوْعَةٍ مَشْبُوبَةٍ

تَبْكِي، وَلِلسِّرِّ المَصُونِ تُقَلِّبُ

قَالَتْ: "أَقِمْ، لَا تَرْحَلَنَّ فَلَمْ أَزَلْ

أَحْتَاجُ وَصْلَكَ، وَالزَّمَانُ مُقَطِّبُ"

فَأَجَبْتُهَا: "رُوحِي لَدَيْكِ مَقَامُهَا

أَمَّا الجُسُومُ فَلِلشَّتَاتِ تُعَلَّبُ"

سَالَتْ دُمُوعُ العَيْنِ تَهْمِي، قُلْتُ: يَا

أَمَلِي، لِمَاذَا جَفْنُكِ يَتَحَلَّبُ؟

قَالَتْ: "أَتَسْأَلُنِي وَأَنْتَ تَرَى المَدَى

بُعْداً، وَصَرْحُ الأُنْسِ فِينَا يُقْلَبُ؟

كَيْفَ السَّبِيلُ إِذَا الفِرَاقُ أَهَابَ بِي

وَالشَّوْقُ خَلْفَ الرَّاحِلِينَ يُؤَلَّبُ؟"

فَأَجَبْتُهَا وَالغُصُّ يَخْنُقُ بَحَّتِي:

"حُزْنِي عَظِيمٌ لَا يُحَاطُ وَيُكْتَبُ

أَلَمُ التَّبَاعُدِ كَالخَنَاجِرِ فِي الحَشَا

وَمَرَارَةُ الحِرْمَانِ فِينَا تَشْغَبُ"

نَحَبَتْ وَقَالَتْ: "يَا حَبِيبِي، لَوْ دَرَى

هَذَا الزَّمَانُ بِمَا نُعَانِي، يَصْخَبُ"

أَمْطَرْتُ قُبْلَةَ حَسْرَةٍ مَشْبُوبَةٍ

فَوْقَ الجَبِينِ وَلِلْمَوَاجِعِ أَحْسِبُ

عَسَلُ الشِّفَاهِ بِمُرِّ بَيْنٍ قَدْ جَرَى

مِثْلَ السَّرَابِ بِلَيْلِنَا يَتَسَرَّبُ

قَدْ كَانَ لِلثَّغْرِ الرَّقِيقِ عَجَائِبٌ

تُحْيِي نُفُوساً لِلْمَنِيَّةِ تَقْرَبُ

كَمْ نَادَتِ الأَحْزَانُ طَيْفَ سُرُورِنَا

أَنَّ الرَّحِيلَ عَنِ المَحَاجِرِ أَوْجَبُ

وَعُبَيْرُكِ النَّاضِحُ فِي جَوانِبِنَا

مَازَالَ فِي رُوحِي يَطُوفُ وَيَلْعبُ

حُزْنِي عَلَيْكِ كَبَحْرِ غَيْمٍ مَاطِرٍ

مَا انْفَكَّ فِي لَيْلِ التَّبَاعُدِ يَسْكُبُ

نَارُ الجَوَى بَيْنَ الضُّلُوعِ لَهِييبُهَا

يَكْوِي فُؤَاداً فِي هَوَاكِ يُعَلَّبُ

خُطُوَاتُ رِجْلِكِ حِينَ غِبْتِ كَأَنَّهَا

نَبَضَاتُ مَوْتٍ فِي الحَنَايَا تُضْرَبُ

نَشْكُو مَرَارَةَ بُعْدِنَا وَفِرَاقِنَا

وَالدَّمْعُ فِي طَرَفِ العُيُونِ مُرَقِّبُ

مَا طَابَ لِي بَعْدَ الرَّحِيلِ تَنَفُّسٌ

فَأَمَّا الوِصَالِ فَبَعْدُ كَالمَطْلَبُ

سَأَظَلُّ أَنْدُبُ تِلْكَ ثَلَاثاً تَلَتْ

ثَلَاثِينَ دَقِيقةً، وَالوُجُودُ مُخَرَّبُ

يَا لَوْعَةَ الشَّوْقِ الَّتِي مَا بَرِحَتْ

تَبْنِي صُرُوحاً لِلأَنِينِ وَتَنْصِبُ

سَالَتْ دُمُوعُ العَيْنِ تَهْمِي، قُلْتُ: يَا

أَمَلِي، لِمَاذَا جَفْنُكِ يَتَحَلَّبُ؟

قَالَتْ: "أَتَسْأَلُنِي وَأَنْتَ تَرَى المَدَى

بُعْداً، وَصَرْحُ الأُنْسِ فِينَا يُقْلَبُ؟

كَيْفَ السَّبِيلُ إِذَا الفِرَاقُ أَهَابَ بِي

وَالشَّوْقُ خَلْفَ الرَّاحِلِينَ يُؤَلَّبُ؟"

فَأَجَبْتُهَا وَالغُصُّ يَخْنُقُ بَحَّتِي:

"حُزْنِي عَظِيمٌ لَا يُحَاطُ وَيُكْتَبُ

أَنَا مُنْذُ أَنْ أَبْصَرْتُ وَجْهَكِ لَمْ يَعُدْ

لِي فِي جَمَالِ الغَانِيَاتِ مَأَرَّبُ

أَلَمُ التَّبَاعُدِ كَالخَنَاجِرِ فِي الحَشَا

وَمَرَارَةُ الحِرْمَانِ فِينَا تَشْغَبُ"

نَحَبَتْ وَقَالَتْ: "يَا حَبِيبِي، لَوْ دَرَى

هَذَا الزَّمَانُ بِمَا نُعَانِي، يَصْخَبُ

وَعْدِي لَكَ اللَّهُمَّ حُبٌّ خَالِدٌ

مَهْمَا بَنَى لِلْهَجْرِ سُوراً يَنْصَبُ"

فَقُلْتُ: "وَعْدِي لَا يَخُونُ مَوَدَّةً

أَنْتِ المَلَاذُ لِخَافِقِي وَالمَهْرَبُ

إِنْ شَطَّتِ الأَمْيَالُ يَوْماً بَيْنَنَا

فَالرُّوحُ فِي رُوحِ الحَبِيبِ تُرَتَّبُ

لَا تَبْكِ إِنَّ الدَّمْعَ يَحْرِقُ خَافِقِي

فَأَنَا بِكُلِّ مَدَامِعٍ أَتَعَذَّبُ"

ضَمَّتْ يَدِي، وَالصَّمْتُ أَفْصَحُ جَانِباً

مِنْ كُلِّ لَفْظٍ فِي الهَوَى يُسْتَعْذَبُ

كُلُّ المَوَاجِعِ بَعْدَهَا تَهْنَا، وَلَا

يَبْقَى سِوَى وَجَعِ الفِرَاقِ يُنَقِّبُ

مَا زَالَ ذَاكَ المَوْعِدُ العَذْبُ الَّذِي

أَحْيَا فُؤَادِي، لِلْمَوَاجِعِ يَجْلِبُ

هُوَ الَّذِي أَبْقَى عَلَى رُوحِي، وَإِنْ

أَمْسَى ضَنَى الأَسْقَامِ فِِيَّ يُنَقِّبُ

جَسَدِي تَهَالكَ مِنْ عَظِيمِ مَرَارَةٍ

وَنَحِيلُ جِسْمِي لِلْمَنِيَّةِ يَقْرَبُ

مَا زَارَنِي النَّوْمُ الهَنِيءُ، وَمُهْجَتِي

فِي لَيْلِهَا مِثْلَ القَتِيلِ تُعَذَّبُ

أَبْكِي، وَلَا كُفَّتْ دُمُوعُ مَحَاجِرِي

فَالدَّمْعُ مِنْ حَرِّ الغَرَامِ يُصَبَّبُ

هَذَا اللِّقَاءُ جَعَلْتُهُ لِيَ مَنْسِكاً

رَغْمَ الحِرْمَانِ، وَالصَّبَابَةُ تُلْهبُ

لَوْلَا خَيَالُكِ فِي الفِرَاشِ يَزُورُنِي

مَا كَانَ قَلْبِي لِلْحَيَاةِ يُهَيَّبُ

أَمْضِي نَهَارِي فِي أَنِينٍ صَامِتٍ

وَإِلَى طُيُوفِكِ فِي المَسَاءِ أُؤَوِّبُ

سُقْمِي بَعِيدٌ عَنْ دَوَاءِ طَبِيبِنَا

فَدَوَاءُ رُوحِي فِي وِصَالِكِ يُرْغَبُ

أَنَا رَغْمَ أَوْجَاعِ التَّبَاعُدِ صَابِرٌ

وَعَلَى فُتَاتِ الذِّكْرَيَاتِ أُغَلَّبُ

سَأَظَلُّ أَذْكُرُ كُلَّ حَرْفٍ قُلْتِهِ

حَتَّى يُوَارَى فِي التُّرَابِ المُتْعَبُ

قَالَتْ وَفِي صَوْتِ الرَّخَامَةِ بَحَّةٌ

إِنِّي بِحُبِّكَ يَا حَبِيبِي أُصْلَبُ

وَعُهُودُنَا مَوْثُوقَةٌ لَا تَنْثَنِي

مَهْمَا الزَّمَانُ عَلَى الوَفَاءِ يُؤَلِّبُ

هَلْ لِلِّقَاءِ بَعْدَ هَذَا مَوْعِدٌ

أَمْ أَنَّ شَمْسَ الوَصْلِ صَارَتْ تُحْجَبُ؟

نَحْنُ الَّذِينَ سَنَكْتُبُ التَّارِيخَ فِي

صَفَحَاتِ عِشْقٍ لِلْعَذُولِ تُؤَدِّبُ

فِي كُلِّ ثَانِيَةٍ تَمُرُّ كَأَنَّهَا

عُمْرٌ طَوِيلٌ بِالمَسَرَّةِ يُخْضَبُ

يَا رَوْعَةَ اللُّقْيَا وَسِحْرَ جَمَالِهَا

إِنِّي بِذِكْرَاكِ العَظِيمَةِ أَنْصَبُ

نَحْنُ الغَرِيبَانِ اللَّذَانِ تَصَاهَرَا

بِالرُّوحِ، لَكِنَّ الزَّمَانُ يُغَرِّبُ

ذُوقِي مِنَ الأَلَمِ المُقِيمِ مَرَارَةً

إِنِّي لِكَأْسِ الحُزْنِ بَعْدَكِ أَشْرَبُ

يَا عَيْنُ كُفِّي، فَالشِّتَاءُ مُصَادِقٌ

لِدُمُوعِ حُبٍّ فِي المَآقِي تُرْغَبُ

أَنَا مَنْ نَذَرْتُ لَكِ المَدِيحَ قَلَائِداً

تَبْقَى كَمِثْلِ النَّجْمِ لَا تَتَحَجَّبُ

وَعَدْتِني وَالوَعْدُ دَيْنٌ قَاطِعٌ

أَلَّا يَخُونَكِ فِي المَحَبَّةِ طَيِّبُ

يَا عَيْنُ كُفِّي، فَالشِّتَاءُ مُصَادِقٌ

لِدُمُوعِ حُبٍّ فِي المَآقِي تُرْغَبُ

أَنَا مَنْ نَذَرْتُ لَكِ المَدِيحَ قَلَائِداً

تَبْقَى كَمِثْلِ النَّجْمِ لَا تَتَحَجَّبُ

يَا مُنْيَةَ الرُّوحِ الَّتِي لَا تُحْجَبُ

وَعُهُودُنَا لِلْمُسْتَقَرِّ تُصَوِّبُ

سَأَظَلُّ أَرْقُبُ لِلِّقَاءِ تَبَاشُراً

فَالشَّوْقُ بَعْدَكِ فِي الحَيَاةِ يُعَصِّبُ

إِنِّي وَعَدْتُكِ وَالوَفَاءُ فَرِيضَةٌ

أَنْ لَا يَمِيلَ بِيَ الزَّمَانُ فَأَقْلِبُ

نَطَقَتْ: "بِرَبِّ الحُبِّ خُذْ مِيْثَاقَنَا

أَلَّا يَمِيلَ بِنَا الزَّمَانُ الأَشْيَبُ"

إِنْ شَطَّتِ الأَمْيَالُ يَوْماً بَيْنَنَا

فَالرُّوحُ فِي رُوحِ الحَبِيبِ تُرَتَّبُ

يَا مَنْ حَلَا مَدْحِي لَهَا بِقَصَائِدٍ

تِيهاً بِأَثْوَابِ المَحَاسِنِ تُسْحَبُ

بَيْضَاءُ، نُورُ الشَّمْسِ مِنْ إِشْرَاقِهَا

يَخْبُو، وَمِنْ سِحْرِ المَآقِي يَرْهَبُ

وَعَلَى لَمَى تِلْكَ الشِّفَاهِ طَلَاوَةٌ

تَرْوِي الظَّمِيءَ وَلِلْمَرَارِ تُذَهِّبُ

مَا زَالَ طِيبُكِ فِي ثِيَابِي عَالِقاً

مِسْكاً يُعَطِّرُ مَنْ يَمُرُّ وَيَقْرُبُ

يَا ذَوْقَكِ الفَتَّانَ حِينَ لَبِسْتِ مَا

يُغْوي العُيُونَ وَلِلرَّصَانَةِ يَنْهَبُ

أَنَا هَائِمٌ فِي الحُبِّ، قَلْبِي مَنْزِلٌ

وَلَكِ الحَنَايَا وَالفُؤَادُ المَرْقَبُ

لَا تَحْزَنِي لِلْبُعْدِ، إِنَّ لِقَاءَنَا

آتٍ، وَصَرْحُ الهَجْرِ يَوْماً يُقْلَبُ

قَدْ كُنْتِ فِيهَا كَالمَلَاكِ بَرَاءَةً

وَعَلَى سَرِيرِ الأُنْسِ نَجْمٌ يَثْقِبُ

سَأَخُطُّ ذِكْرَاكِ العَظِيمَةَ آيَةً

تُتْلَى، وَلِلْقَلْبِ الحَزِينِ تُطَبِّبُ

يَا قُبْلَةً كَانَتْ خِتَامَ وَدَاعِنَا

مَا زَالَ وَقْعُ لَهِييبِهَا لَا يُغْلَبُ

بَرْدُ الشِّتَاءِ بِنَارِ حُبِّكِ يَنْطَفِي

فَأَنَا بِقُرْبِكِ جَنَّةٌ لَا تُجْدِبُ

يَا عِطْرَهَا النَّفَّاحَ فِي رِئَتِي سَرَى

مِثْلَ الحَيَاةِ لِمَنْ يَمُوتُ وَيَكْرُبُ

نَحْنُ اشْتِيَاقٌ لَا تُحَدُّ حُدُودُهُ

نَبْضٌ بِأَوْرَادِ المَوَدَّةِ يُخْضَبُ

إِنِّي رَفَعْتُ لَكِ المَقَامَ بِفِكْرَتِي

مَدْحاً عَلَى كُلِّ النِّسَاءِ يُطَنِّبُ

فَتَمَيَّلِي عِزّاً بِأَنَّكِ جَوْهَرِي

وَمَلِيكَةٌ فِي خَافِقِي تَتَحَجَّبُ

أَمَلِي بِرَبِّ الكَوْنِ يَجْمَعُ شَمْلَنَا

فِي لَحْظَةٍ لِلذِّكْرَيَاتِ تُرَتِّبُ

وَنَعُودُ نَنْهَلُ مِنْ مَعِينِ غَرَامِنَا

شَهْداً صَفِيّاً لِلْعَذَابِ يُشَطِّبُ

يَا لَيْلُ سَجِّلْ أَنَّنِي فِي حُبِّهَا

مَا كُنْتُ يَوْماً عَنْ سَنَاهَا أَكْذِبُ

هَذِي القَصَائِدُ مِائَةٌ قَدْ تُمِّمَتْ

بِالرَّجْزِ كَالسَّيْلِ العَرِمِ تُشَعِّبُ

مَا صَاغَ مِثْلِي فِي الجَمَالِ عِبَارَةً

أَوْ حَاكَ شِعْراً لِلْبَلَاغَةِ يَثْلِبُ

تَمَّتْ بِنُورِ اللهِ أَصْدَقُ مَلْحَمَةْ

تُرْوَى، وَلِلْعُشَّاقِ بَابٌ يُثْقِبُ

يَا عَيْنُ هِلِّي بِالدُّمُوعِ فَإِنَّنِي

رَجُلٌ عَلَى عَرْشِ المَحَبَّةِ يُصْلَبُ

لَكِنَّنِي رَغْمَ المَوَاجِعِ شَاكِرٌ

أَنِّي لِحُسْنِكِ يَا جَمِيلَةُ أَنْسُبُ

لَا تَحْزَنِي لِلْبُعْدِ، إِنَّ لِقَاءَنَا

آتٍ، وَصَرْحُ الهَجْرِ يَوْماً يُقْلَبُ

وَنَعُودُ نَنْهَلُ مِنْ مَعِينِ غَرَامِنَا

شَهْداً صَفِيّاً لِلْعَذَابِ يُشَطِّبُ

تَمَّتْ بِنُورِ اللهِ أَصْدَقُ مَلْحَمَةْ

تُرْوَى، وَلِلْعُشَّاقِ بَابٌ يُثْقِبُ

يَا عَيْنُ هِلِّي بِالدُّمُوعِ فَإِنَّنِي

رَجُلٌ عَلَى عَرْشِ المَحَبَّةِ يُصْلَبُ

سَلَامُ شَوْقٍ مَا شَدَا فِي رَوْضَةٍ

طَيْرٌ، وَمَا لَاحَتْ نُجُومٌ تَقْرُبُ