تخطَّ إلى المحتوى

أسقيت جفني من دموع الأدمع

الرجز

١٤٠ بيت

النسيب

أَسْقَيْتُ جَفْنِي مِنْ دُمُوعِ الأَدْمُعِ

وَبِتُّ مِنْ شَوْقِي طَرِيحَ المَضْجَعِ

يَا مَنْ نَأَىٰ عَنِّي وَخَلَّفَ لَوْعَةً

تَقْتَاتُ مِنْ صَبْرِي وَمِنْ تَفَجُّعِي

الحُبُّ نَارٌ فِي الحَنَايَا تَصْطَلِي

وَالعِشْقُ قَيْدٌ فِي فُؤَادِي المُبْتَلِي

مَا زِلْتُ أَرْجُو لِلْوِصَالِ مَنْهَلِي

كَيْ يَسْتَرِيحَ القَلْبُ مِنْ سُقْمِ العِلَلِ

أَنَا الذِي أَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي السَّعِي

وَبِتُّ أَرْعَىٰ النَّجْمَ كَيْ لَا أُصْرَعِ

يَا جَنَّةً كُنَّا بِهَا نَسْتَعْذِبُ

سَلْقِينُ يَا نَهْراً بِحُبٍّ يَسْكُبُ

زَيْتُونُهَا لِعَيُونِنَا يَسْتَقْرِبُ

طِيبَ المَقَامِ وَصَفْوَ عَيْشٍ طَيِّبُ

وَاليَوْمَ بَاتَ البُعْدُ شَرَّ مُفَجِّعِ

وَالهَمُّ زَلْزَلَ فِي الجَفَاءِ مَرَابِعِي

أَنِينُ رُوحِي فِي اللَّيَالِي يَعْلُو

وَالصَّدْرُ مِنْ فَرْطِ التَّجافِي يَبْلُو

هَلْ لِلفِرَاقِ بَعْدَ مُرٍّ حُلْوُ؟

أَمْ أَنَّ شَمْسَ الوَصْلِ بَاتَتْ تَأْفُلُ

ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا وَجَاشَ تَلَوُّعِي

فَسَكَبْتُ آهَاتِي بِدَمْعٍ مُوجِعِ

حَنَّ الغَرِيبُ لِأَهْلِهِ وَالسَّكَنِ

وَبَكَىٰ لِمَا أَلْقَاهُ مِنْ طُولِ الضَّنِ

مَا فِي اغْتِرَابِي غَيْرُ ثَوْبِ الحُزْنِ

قَلْبِي يَهِيْمُ بِذِكْرِ تِلْكَ المَدْنِ

فَارْحَمْ شَجِيَّ القَلْبِ غَيْرَ المُرْفَعِ

وَانْظُرْ لِحَالِي فِي الهَوَىٰ وَتَوَرُّعِي

فِي وَجْهِهَا ضَوْءُ الصَّبَاحِ يُشْرِقُ

وَفِي حَلاهَا لِلْعُقُولِ غَرَقُ

بَدْرُ التَّمَامِ مِنْ جَمَالٍ يُطْرِقُ

عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالحَيَا يُسْتَنْطَقُ

نُورٌ لَهُ فِي كُلِّ طَرْفٍ لَمْعِي

يَجْلُو الظَّلَامَ عَنِ الفُؤَادِ المُرْتَعِي

عَشِقْتُ حَتَّىٰ ذَابَ جِسْمِي وَانْبَرَىٰ

وَتَاهَ فِكْرِي فِي الفَيَافِي وَالقُرَىٰ

طَيْفُ الحَبِيبِ فِي مَنَامِي قَدْ سَرَىٰ

مِثْلَ السَّرَابِ فَوْقَ حَبَّاتِ الثَّرَىٰ

فَزَادَنِي شَوْقاً وَأَذْكا مَدْمَعِي

وَبَقِيتُ مَكْبُولاً بِقَيْدِ الأَضْلُعِ

عُيُونُهَا سُودٌ تَقُودُ لِلرَّدَىٰ

مَنْ نَالَ مِنْهَا لَحْظَةً فَقَدْ هَدَىٰ

مَا ضَاعَ مَنْ فِي حُبِّهَا قَدْ شَرَدَا

بَلْ عَاشَ مَلِكاً بِالوَفَاءِ سَيِّدَا

بَلْ ذَابَ وَجْدًا فِي مَقَامِ الخُضَّعِ

وَرَمَىٰ بِنَفْسِهِ فِي مَحَلِّ الخُشَّعِ

يَا هَجْرُ كَمْ تَقْسُو عَلَىٰ مَنْ يَعْشَقُ

وَالرُّوحُ مِنْ نَارِ الجَفَاءِ تَزْهَقُ

إِنِّي بِبَحْرِ الذِّكْرَيَاتِ أَغْرَقُ

وَمَا لِطَوْقِ النَّجَاةِ أَسْبِقُ

وَالصَّبْرُ بَاتَ بِمِحْنَتِي لَا يَنْفَعِ

كَلَّا وَلَا جَدْوَىٰ لِقَلْبٍ جَزْعِي

سَلْقِينُ تَشْهَدُ كَمْ حَفِظْتُ العَهْدَا

وَكَمْ سَقَيْتُ مِنْ دُمُوعِي الوَرْدَا

مَا خُنْتُ يَوْماً فِي المَحَبَّةِ وَدَّا

بَلْ كُنْتُ أَبْنِي لِلْإِخْلَاصِ سَدَّا

بَلْ كُنْتُ لِلإِخْلَاصِ خَيْرَ المَنْزَعِ

صَبّاً غَدَا فِي حُبِّكُمْ كَالخَاضِعِي

تَخَيَّلْتُ لُقْيَانَا بِفَجْرٍ بَاسِمِ

وَالكَونُ يَشْدُو لِلْفُؤَادِ الهَائِمِ

نَمْشِي الهُوَيْنَا كَالحَمَامِ النَّاعِمِ

بَيْنَ الرِّيَاضِ وَبَيْنَ عِطْرٍ قَادِمِ

وَنَسْتَقِي حُبًّا بِلَا تَوَرُّعِ

فِي رَوْضَةٍ طَابَتْ لِكُلِّ مُولَعِ

شَوْقِي عَظِيمٌ لَا تُحِيطُهُ جُمَلُ

وَالقَلْبُ مِنْ حَرِّ الهَوَىٰ لَا يَحْتَمِلُْ

مَا نِلْتُ مِنْ طُولِ انْتِظَارِي مَا فَعَلُ

إِلَّا لَظَىٰ فِي الصَّدْرِ بَاتَ يَشْتَعِلُ

إِلَّا أَنِيناً صَاعِداً مِنْ مَخْدَعِي

يَبْكِي الفُؤَادَ بِآهَةٍ لَمْ تَهْجَعِ

يَا نَسْمَةً مَرَّتْ بِبَابِ الدَّارِ

قُولي لَهُمْ: مَا زَالَ فِي انْتِظَارِي

قَلْبٌ يَذُوبُ بِمِرْجَلِ الأَفْكَارِ

وَالعَيْنُ تَرْقُبُ طَلْعَةَ الأَقْمَارِ

يَشْكُو مِنَ الأَشْوَاقِ لَذْعَ المُلْذَعِ

وَيَرُومُ وَصْلَ الغَائِبِ المُتَمَنِّعِي

ثَبَتُّ رَغْمَ البُعْدِ ثَبْتَ الجَبَلِ

وَلَمْ أَمِلْ يَوْماً لِدَرْبِ العَذَلِ

حُبُّكِ مِعْرَاجِي وَأَقْصَىٰ أَمَلِي

وَفِيكِ أَشْعَارِي وَصِدْقُ الجُمَلِ

فَاسْمَعْ نِدَائِي يَا مَلَاذِي وَاسْمَعِ

وَارْفِقْ بِحَالِي فِي المَقَامِ الأَرْفَعِ

البُعْدُ سُمٌّ فِي عُرُوقِي يَسْرِي

وَالهَمُّ أَضْحَىٰ مَالِكاً لِأَمْرِي

مَنْ لِي يُدَاوِي يَا حَبِيبِي كَسْرِي؟

وَالآهُ قَدْ صَارَتْ كِتَابَ صَدْرِي

وَيَكْفِفُ الدَّمْعَ الذِي فِي مَهْجَعِي

فَالدَّمْعُ صَارَ كَنَهْرِ حُزْنٍ مُسْرِعِي

رُوحِي لَدَيْكِ رَهِينَةٌ لَا تُطْلَقُ

وَالقَلْبُ فِي قَيْدِ الهَوَىٰ مُعَلَّقُ

مَا زَالَ نَبْضِي بِاسْمِكِ يَنْطِقُ

وَالشَّوْقُ فِي أَوْصَالِ جِسْمِي يَخْرُقُ

يَا خَيْرَ مَنْ حَلَّتْ بِأَنْبَلِ مَوْقِعِي

لَكِ فِي الحَنَايَا كُلُّ نَبْضٍ طَيِّعِي

ذَكَرْتُ سَلْقِيناً وَمَا أَحْلَاهَا

وَنُورَ زَيْتُونٍ زَكَا فِي ثَرَاهَا

يَا لَيْتَ رُوحِي تَرْتَمِي فِي رُبَاهَا

قَبْلَ المَمَاتِ وَقَبْلَ أَنْ أَنْسَاهَا

قَبْلَ الرَّحِيلِ لِمَرْقَدِي وَمَصْرَعِي

كُنْتِ الضِّيَاءَ بِمُهْجَتِي وَبِمَسْمَعِي

ذَكَرْتُ سَلْقِيناً وَنُورَ الزَّيْتِ

فَبَكَيْتُ مِنْ وَجْدِي بِنَارِ البَيْتِ

يَا لَيْتَ عَهْدَ الوَصْلِ دَامَ بَيْتِي

قَبْلَ رَحِيلِي أَوْ أُوَاْنِ المَوْتِ

وَنَحْتَسِي كَأْسَ الهَنَا فِي مَجْمَعِ

يَضُمُّ رُوحِي فِي أَعَزِّ مَوْضِعِ

تِلْكَ الرَّسَائِلُ عِطْرُهَا مَنْشُورُ

وَبَيْنَ طَيَّاتِ الحُرُوفِ نُورُ

لَكِنَّ قَلْبِي بَعْدَهَا مَكْسُورُ

وَالصَّبْرُ فِيهِ غَائِبٌ مَهْجُورُ

يَحْيَا عَلَىٰ ذِكْرَىٰ الزَّمَانِ المُسْرِعِ

عَهْدُ الوِصَالِ وَحُسْنُ ذَاكَ المَجْمَعِي

هِمْتُ بِمَنْ لِجَمَالِهَا نَنْقَادُ

وَلَهَا بِأَعْمَاقِ القَصِيدِ وِدَادُ

مَلِكَةٌ، فِي عِزِّهَا تَرْتَادُ

رُوحِي، وَفِيهَا يَخْشَعُ الحُسَّادُ

فِي حُبِّهَا قَلْبِي غَدَا كَالمُطْمَعِ

وَلِغَيْرِ سُلْطَانِ الهَوَىٰ لَمْ يَرْكَعِ

يَا رَبِّ جَمِّعْ شَمْلَنَا بِالقُرْبِ

وَامْسَحْ عَنِ العَيْنِ غُبَارَ الكَرْبِ

وَانْفُخْ رِيَاحَ السَّعْدِ نَحْوَ دَرْبِي

كَيْمَا نَعِيشَ بِلَهْفَةٍ وَحُبِّ

يَا رَبِّ فَاسْمَعْ دَعْوَتِي وَتَضَرُّعِي

وَاجْمَعْ شَتَاتَ القَلْبِ بَعْدَ تَوَجُّعِ

هَذَا نِتاجُ العِشْقِ وَالأَشْوَاقِ

سَطَّرْتُهُ بِدَمِي عَلَى الأَوْرَاقِ

سَيَظَلُّ حُبُّكِ خَالِدَ الأَعْرَاقِ

مَا لَاحَ نُورُ الصُّبْحِ فِي الإِشْرَاقِ

فَارْفُقْ بِقَلْبِي فِي الهَوَىٰ وَتَهَجُّعِ

وَاحْفَظْ وِدَادِي فِي أَعَزِّ مَوْضِعِ

مَا دَامَ نَبْضِي خَاضِعاً لِلْمَسْمَعِ

فَمَقَامُ حُبِّكِ فِي الرُّؤَىٰ لَمْ يُنْزَعِ

فَسُبْحَانَ مَنْ أَعْطَىٰ فَرِيدَ المَصْنَعِ

جَمَالاً يَفُوقُ عُيُونَ كُلِّ مُبْدِعِ

يَا غَائِبًا طَالَ النَّوَىٰ فِي بُعْدِهِ

رِفْقاً بِمَنْ يَهْوَاكَ خَلْفَ الأَدْرُعِ

سَلْقِينُ تَبْكِي وَالحَنِينُ يَهُزُّنِي

لِمَقَامِكَ الزَّاكِي الشَّرِيفِ الأَرْفَعِ

فَإِذَا لَفَظْتُ الرُّوحَ كُنْتِ خِتَامَهَا

وَإِذَا نَطَقْتُ، فَأَنْتِ كُلُّ المَنْزَعِ