تُسائلُني الأطلالُ: هلْ أنتَ عائِدُ؟
وقد جَفَّ في عينيكَ حُلمٌ وواعِدُ
أتيتُ.. ولكنّي أضعتُ حقائبي
وخانَ "طريقَ القادمينَ" التباعُدُ
غريبٌ.. وعينُ الدارِ تُنكِرُ خَطوتي
فلا البابُ مفتوحٌ، ولا القُفلُ صامِدُ
أنا العاشقُ المنسيُّ في جيبِ معطفٍ
عَتيقٍ، رَمَتْهُ في الشتاءِ المواجِدُ
أُفتّشُ عن قلبي، أَهُناكَ زُجاجةٌ
تكسّرَ فيها وجهُ مَنْ لا أُشاهِدُ!
أحِبُّكِ؟ لا أدري، ففي الحُبِّ مِيتةٌ
يُمارسُها حيٌّ.. وللموتِ زاهِدُ
أعُبُّ انتظاري مثلما يشرَبُ الظما
سراباً.. ويسقي كفَّهُ وهوَ جاحِدُ
وقفتُ على بابِ الرّجاءِ كأنّني
سؤالٌ، وعيناكِ الجوابُ المُعانِدُ
يقولونَ لي: "أبصِرْ"، وكيفَ يرى الذي
تساوتْ لديهِ النارُ والماءُ.. بارِدُ؟
تنامينَ مِلْءَ الجفنِ، والليلُ نَاهِشٌ
بعظمي.. وتغفو تحتَ رأسِكِ وَسائِدُ
أرى أوجُهَ الغادينَ مِقصلةً بَدَتْ
وكَفُّكِ في كَفِّي سَرابٌ يُباعِدُ
حفرتُ بصبري في الهواءِ مقابراً
لأدفنَ شوقاً، ما حَوَتهُ اللّحَائِدُ
كأنّي بلادٌ ضَيّعَتها حُروبُها
فلا النصرُ مأمولٌ، ولا الصلحُ سائدُ
أنا كُلّما قُلتُ: "استرحتُ" تَنَبَّهَتْ
جراحٌ، وصاحَتْ في الضلوعِ طرائِدُ
مشيتُ على جرحي، وجُرحيَ "نائِمُ"
وقد مَلَّ مِن نَزفي الحَديدُ المُبارِدُ
أآكُلُ مِن لَحمي لأُشبِعَ ذِلّتي؟
وهلْ يُشبِعُ الجوعى رَغيفٌ يُكايِدُ؟!
يَمُرُّ بيَ الوقتُ الكفيفُ مُحدّقاً
ونحنُ على رصيفِ الوهمِ.. وهْمٌ مُحايدُ
سَرَقنا مِنَ الموتى قميصَ هدوئِهم
فهل نَحْنُ أحياءٌ؟ وهل أنتَ شاهِدُ؟
يَضيقُ بيَ المَنفى، ويَطرُدُني المدى
فَمَن لي؟ إذا خانَ القَريبُ المُعاضِدُ
أيا غربةَ الروحِ التي في ضلوعنا
أَمَا آنَ أنْ ترتاحَ فينا الشدائِدُ؟
فلا تحسبي أنّي أَموتُ مِنَ الجَوى
أنا الآنَ.. مَيْتٌ، والحياةُ تُطارِدُ
وقفتُ بلا شَكلٍ.. وصوتي جَنازةٌ
تُشَيِّعُها نحوَ الفَراغِ.. القَصائِدُ
سأرحلُ.. لا دَرباً، ولا ظِلَّ نَخلةٍ
وَحيداً.. كما خَرَّتْ من الجِذعِ ساعِدُ!