تخطَّ إلى المحتوى

على أرصفة الغيم كنت أكتب وجهي

شعر التفعيلة

١٠٦ بيت

المتفرقات

على أرصفةِ الغيمِ كنتُ أكتبُ وجهي

بمدادِ الريح،

وأجمعُ شظاياي من وجعِ الطريق

كلُّ الجهاتِ كانتْ أبوابَ منفى،

وكلُّ الأرصفةِ تمضغُ أقدامي

كأنها تعرفني منذ أولِ انكسار.

في سقفي…

يئنّ المطرُ من تعبِ السماء،

وأنظرُ للجدارِ

فألمحُ وجوهًا

سقطت من ذاكرةِ الطفولة،

تحملُ الحنينَ على أكتافٍ مهشّمة.

غريبٌ…

وحولي المدنُ ترتدي صقيعها

كأنها لم تعرف دفءَ إنسان

أو وجعَ وردةٍ على كتفِ حجر.

في يدي قيدٌ قديم…

لا أذكرُ متى سكنني،

لكنه يعرفُ أنفاسي أكثرَ من روحي،

هو ذاكرتي القديمة،

هو شجني الذي لم يتعلّم أن يُغني.

في الزاويةِ

صوتُ أمي يُصلّي

ودعاءُ أبي

كجذعِ نخلةٍ قاومَ ملوحةَ الزمن،

لكنَّ القدرَ...

لا ينحني.

لا أحزنُ على العمر،

فقد علّمني المطرُ أن الأيامَ

قطراتٌ لا تُستعاد،

لكنِّي بكيتُ على وطنٍ

نامَ في جيبِ الطغاة،

وصوتُ الحلمِ فيه

صارَ شهقةً في عنقِ سجان.

كم غرّدتُ في الفراغ،

ألقيتُ أجنحتي على صفحةِ الموج،

وسافرتُ إلى القصيدةِ

أزرعُ القصورَ على السحاب،

وأقطفُ النورَ من جبينِ القمر.

لكني…

حين سقطتُ على رصيفِ الليل،

وجدتُ قلبي منشورًا

بين مرايا الغياب

كأنه انشقَّ عن حزنه

وتاهَ في مهبِّ الندم.

صوتي…

الذي كانَ يومًا سيفًا من حبر،

صارَ شتاتًا…

ترتجفُ حروفُه تحتَ أقدامِ الخوف.

وحدائقي…

ما عادت خضراء،

صارت مقابرَ صامتة،

تنامُ فيها القصائدُ الموءودة.

فهل تسمحين…

لطفلٍ أضاعَ دفءَ حضنٍ

أن يغفو لحظةً في عينيك؟

هل تسمحين…

لرجلٍ خسرَ عمرَه في المنافي

أن يرتّلَ نبضَه على شرفةِ الزهر؟

أنا المعتادُ على عواءِ الجوعِ

في زوايا الروح،

أنا الغريبُ حتى في ظلّي،

كلما التفتُّ

وجدتُ كلابَ الصيدِ

تنهشُ اسمي،

وتعلقُني على جدرانِ الوجع.

ثيابي خيوطُ نهر،

وعيناي بحارٌ جفّت على أطرافِ الليل،

أحتاجُ صدرًا

لا يفاوضُني على بقاياي،

ولا يقيمُ مأتماً لماضٍ انتحر.

لا تخجلي…

إن جئتُ بثوبي العاري إليك،

الشتاءُ سرقَ أزراري

والغربةُ سلبتْ دمي،

فأنا المطرُ في زمنٍ من الغبار.

وأنا النهرُ

حين يَصيرُ لونهُ حزنًا،

والأمواجُ همساتٍ مذبوحة.

وحين يجيءُ قطارُ الليلِ الأخير

سألوّحُ للغيابِ…

وأكتبُ على نافذتهِ:

"لم أمت …

بل عدتُ إلى حلمي".

لا تبكي لأجلي…

الحظُّ طفلٌ مدلّل

لا يعرفُ الفقراء.

إني أحبك…

رغم أنّ الحبَّ عرشٌ من نار،

ورغم أن الأحلامَ تُجلدُ

كلَّ مساءٍ على مذابحِ البشر.

فدعيني أغفو في عينيكِ،

فالخارجُ

جدارٌ من نباح،

وصمتٌ يذبحُ العصافير.

غدًا…

سينهضُ الصبحُ من تحتِ ركامِ الليل،

وتُخلعُ سلاسلُ الخوفِ

عن فمِ القصائد،

وستنبتُ وردةٌ

على كتفِ المنفى.

وغدًا…

سأحبكِ كما أحببتكِ

في زمنٍ لم يكن فيه مطر،

ولا جدران،

ولا عتمة.