عِنْدَمَا يَدْخُلُ الثَّوْرُ إِلَى القَصْرِ...
فَإِنَّ الثَّوْرَ لَا يُصْبِحُ مَلِكًا،
إِنَّمَا يَتَحَوَّلُ القَصْرُ إِلَى حَظِيرَةٍ.
فَلَا تَبْحَثْ عَنِ الحِكْمَةِ فِي نَخْرِ الصَّمْتِ،
وَلَا تَنْتَظِرْ مِنْ قَرْنٍ مَكْسُورٍ أَنْ يَرْفَعَ رَايَةَ النُّورِ.
دَخَلُوا القُصُورَ حُفَاةً...
وَخَرَجُوا مِنْهَا تُطَارِدُهُمْ لَعْنَةُ الأَبْوَابِ المُذَهَّبَةِ.
جَاءُوا عَلَى ظُهُورِ الوُعُودِ...
فَذَبَحُوا الوَعْدَ تَحْتَ أَقْدَامِ الطَّمَعِ،
وَنَهَشُوا خُبْزَ الجِيَاعِ بِاسْمِ الوَطَنِ.
أَيُّ وَطَنٍ هَذَا
الَّذِي إِذَا ابْتَسَمَ فِيهِ الحَاكِمُ...
بَكَتِ الأَرْصِفَةُ مِنَ الذُّلِّ؟
وَأَيُّ عَرْشٍ ذَاكَ
الَّذِي إِذَا صَرَخَ فِيهِ،
ارْتَجَفَ قَلْبُ الحَقِّ وَانْكَمَشَتْ رِئَةُ الحَيَاةِ؟
يَتَبَخْتَرُ فَوْقَ عِظَامِ المَسَاكِينِ
كَأَنَّهُ وَرِيثُ الأَنْبِيَاءِ،
وَفِي عَيْنَيْهِ خَنَادِقُ رَمَادٍ،
وَفِي كَلِمَاتِهِ سِيَاطٌ مِنْ لَهَبٍ.
يَرْتَدِي القَصْرَ كَعَبَاءَةٍ فَضْفَاضَةٍ،
لَكِنَّ الرُّوحَ… مَا زَالَتْ مُعَفَّرَةً بِرَوْثِ الغَرَائِزِ،
وَالتَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ
كَقَوْسٍ مِنْ حَدِيدٍ فَوْقَ جُمْجُمَةٍ خَاوِيَةٍ!
أَيُّهَا الثَّوْرُ الَّذِي اغْتَسَلَ بِالمِرْآةِ
حَتَّى صَدَّقَ أَنَّهُ نَبِيٌّ!
أَيُّهَا المَمْسُوسُ بِلَذَّةِ الطُّغْيَانِ،
أَيُّهَا الكَائِنُ الَّذِي نَبَتَتْ لَهُ كَرَاسِيُّ مِنْ لَحْمِ المَقْهُورِينَ،
أَنْصِتْ:
القُصُورُ لَا تُعْطِي المَجْدَ لِأَقْدَامٍ مُلَوَّثَةٍ،
وَلَا تَصِيرُ المَرَايَا شَرَفًا حِينَ يَنْعَكِسُ فِيهَا وَجْهُ الغُرُورِ!
لَقَدْ رَأَيْنَاكُمْ...
كَيْفَ تُشَيِّدُونَ قِلَاعَ العُبُودِيَّةِ
مِنْ حِجَارَةِ الشَّرَفِ المُهَانِ،
وَتُطْعِمُونَ أَوْلَادَكُمْ ذَهَبًا
مِنْ دُمُوعِ الأُمَّهَاتِ المَسْجُونَاتِ فِي الأَقْبِيَةِ.
أَشْبَاهُ الرِّجَالِ أَنْتُمْ...
تَتَفَاخَرُونَ بِنَسْلٍ مِنَ الوَرَقِ،
تَغْزُونَنَا بِخُطَبٍ مِنْ رَمَادٍ،
وَتُصَلُّونَ عَلَى قُبُورِ أَحْلَامِنَا
بِأَصْوَاتٍ خُرْسَاءَ...
أَيُّهَا الحَاكِمُ التَّافِهُ،
هَلْ نَسِيتَ أَنَّ الخَوْفَ لَا يُعَمِّرُ عَرْشًا؟
وَأَنَّ الأَنْهَارَ تَجْرِفُ فِي النِّهَايَةِ جُدْرَانَ الطُّغْيَانِ؟
هَلْ نَسِيتَ أَنَّ الزَّمَنَ لَا يَصْنَعُ مَجْدَهُ إِلَّا مِنْ عِظَامِ الغَاضِبِينَ؟
وَأَنَّ التَّارِيخَ لَا يَرْكَعُ…
إِلَّا لِيَكْتُبَ أَسْمَاءَ الَّذِينَ قَالُوا: "لَا"،
فِي وَجْهِ الصَّنَمِ؟
عِنْدَمَا يَدْخُلُ الثَّوْرُ إِلَى القَصْرِ…
تَنْبَحُ اللُّغَةُ،
وَتُكْسَرُ نَوَافِذُ العَدَالَةِ،
وَيُصْبِحُ الحِبْرُ سَجَّانًا،
وَالقَصِيدَةُ...
تُهْمَةً تُعَلَّقُ عَلَى أَعْنَاقِ الشُّعَرَاءِ.
لَكِنَّنَا سَنَبْقَى…
نَحْمِلُ فِي أَعْيُنِنَا شَرَارَةَ الرَّفْضِ،
وَفِي أَكُفِّنَا أَجْنِحَةَ القِصَاصِ،
وَسَنَكْتُبُ أَسْمَاءَنَا
عَلَى جُدْرَانِ النِّسْيَانِ بِمَسَامِيرِ الأَمَلِ...
حَتَّى يُصْبِحَ القَصْرُ قَصْرًا،
وَالتَّاجُ تَاجًا،
وَالرُّجُولَةُ... رُجُولَةً!