تخطَّ إلى المحتوى

أنا لست شيئا كي أؤخذ مني

شعر التفعيلة

٩٠ بيت

الحماسة

أنا لستُ شيئًا كي أُؤخَذَ منّي،

ولا ظلًّا لأحد،

أنا ما تبقّى من الغيابِ إذا امتلأَ بالصوتِ،

وما يتبقّى من الحلمِ إن فاضَ

عن نومِ الشهداءِ.

أعلّقُ نبضي على شرفة الامل

وأرسمُ ضِحكةً للموتِ كي أُخجله،

وأقولُ:

"أيُّها الجلّادُ... أمهلني قليلاً،

فالموتُ يحتاجُ إلى أناقةٍ أكبرَ،

والروحُ لا تُسلَّمُ هكذا دونَ وداعٍ!"

في داخلي

سربُ نوارسَ يركضُ عكسَ المدى،

وخارطةٌ ضاعتْ منها الجهاتُ،

وبوصلةٌ تشيرُ إلى السماء

حين أفقدُ اسمي.

أنا لستُ من هاهنا،

أنا المخلوقة من شوائبِ الغيمِ،

لي رئتانِ من مطرٍ،

وقلبٌ لا يُحبُّ الجدران.

كتبتُ وصيّتي من غيرِ حبرٍ،

سطّرتها بآثارِ خُطايَ

على أرصفةِ الانتظار.

قلتُ فيها:

"ثِقُوا بالأمل،

ولو جاء في هيئةِ جُرْحٍ،

وآمنوا بالضوء،

ولو عبرَ من شقِّ مقصلة!"

رأيتُ السماءَ

تمدُّ يدًا من برقٍ،

تربّتُ على كتفي وتقول:

"لم تُخلَقي لتُزهَقي،

بل لتُشعلي هذا الليلَ بكلمة!"

فنهضتُ،

حملْتُ المنفى تحتَ إبطي،

وأخذتُ أكتبُ للوردِ وصيّةَ حريّته،

وللأشجارِ شيفرةَ الفجرِ

الذي لا يُقصَف.

حين جاءَ الحارسُ،

قال: "نَجَوتي مؤقّتًا...

لكنّك لم تنجي منك!"

فأجبتُه بابتسامةٍ نازفة:

"أنا من لا يُعدمونَها مرّتين،

أنا من لا تملكها السكاكينُ،

ولا تُربكها السلاسلُ!"

يا سكّانَ هذا الألم،

ثِقُوا بالحياةِ حين تَخون،

وبالقُبلةِ حين تأتي من فمِ الريح،

ثِقُوا بالماءِ

ولو كان جارياً من أعينِ قتيل!

اكتبوا أسمائي على جدرانِ العتمةِ،

ثم امحُوها،

فأنا لا أحتاجُ لتذكار،

ولا لقبٍ على لوحةِ رخام.

يكفيني أني مشيتُ على ضوءِ قلبي،

ولو لم أصل.

أنا ابنة النّارِ التي لا تنطفئ،

ابنة الريحِ التي لا تتوقّف،

وابنة التراب الذي لا ينتهي

أنا المُعلَّقة على رمحِ القصيدة،

أنتظرُ أن يسقطَ الوطنُ

من بينِ أضلاعِ قاتليه.

…وفي الختام،

سألتُ الغيمَ: "هل سأصل؟"

فأجابني بنبرةِ الشكِّ واليقين:

"كلُّ من سارَ على حافةِ موته،

بلغَ الحياةَ من جهةٍ لا يتوقّعها!"

ففتحتُ نافذتي الأخيرة،

لا على الشمس،

بل على جُرحي…

علَّه يزهر.

ومددتُ يدي،

لا للوداع،

بل لزرعِ حرفِ

في أرضٍ أَحنُّ إليها

ولم أَطأْها يومًا!

إنْ كُتِبَ لي أن أعود،

سأعودُ نهرًا

يسيلُ من بين أصابعِ القصائد،

يعلّمُ الناسَ

أن النجاةَ ليست في الهروب،

بل في أن تُضيءَ المسافةَ

بين جُرحِك…

والمغفرة.

فإن متُّ،

فامنحوا روحي نافذةً تطلُّ على البحر،

وإن عشتُ،

دعوني أكون مطرًا يروي الذين جفّوا

من طولِ ما انتظروا الغيثَ

في شموخ القصائد.