كتبتُ القصيدةَ من وجعِ الصخرِ،
من نَفَسِ النّهرِ،
من شهقةِ النّارِ في كفِّ مجذوب،
كتبتُ عن الأرضِ في صَدرِ طفلٍ
تُربّتُ فوقَ ضلوعِهَا دبّابة،
وتُهدهدُهُ بالقذائفِ...
حتى ينامَ
على ضلعِ تابوتِهِ
موثقًا بالحبوبْ...
فجاء الرقيبُ،
"سعادةُ مفتي الحروفِ"،
على خدهِ ختمُ الدولة،
وفي كفّهِ دفترٌ للوصايا،
وفي عينهِ ألفُ قيدٍ وقيدْ،
ثم قال...
احذفي "الصخرَ"...
ففيه عنادُ القبائلْ،
ونحنُ نُفضّلُ الأتربةَ اللينةَ،
تُجرفُها الريحُ... دون جَدَلْ!
واحذفي "النهرَ"...
فكلماتُ الماءِ تُوحي بالمسير،
ونحنُ نُؤمنُ بالجمودِ كمطلق التعبير
وبأنّ الجفافَ... هو وعيُ الاسير!
واحذفي "الطفلَ"...
فقد أرهقَنا بالبكاءِ،
ولا نُريدُ لأشجارِنا أن تنمو
في أرضِ صغارٍ... يهوونَ السؤالْ!
واحذفي "الدبّابة"...
فهي رمزٌ قديمٌ يُثيرُ الحنينَ للساحاتِ والقمم ،
ونحنُ نُعالجُ الخصمَ الآنَ من الالم
بالقطن وماء زمزم
واحذفي "القذائفَ"...
فصوتُ الانفجارِ يزعجُ السيّاحْ،
وهذه البلادُ موعودةٌ
بأن تكونَ مزارعَ وردٍ...
تُروى بعطرِ الانبطاحْ!
قلتُ له:
أأكتبُ عن غيمةٍ دون مطرْ؟
وعن زهرِ ليمونةٍ دون شجر؟
و عن وطنٍ دون قبرْ؟
عن حاكمٍ دون قصورٍ من الرخامِ المُهرّبْ؟
عن حريةٍ... لا تشبهُ الحريةْ؟
فقال:
"بالضبطْ!
هذا هو الشعرُ المقبولُ لدينا،
واكتبي لنا عن نسيمِ الصّباحْ،
وعن زهرةٍ في الشّمالْ،
وعن حبِّنا للوطنْ...
لكن بلا ذكرِ أيّ نِضالْ...
ولا تُشِير للرصاصِ،
ولا تَسوقِ وجهَ السؤالْ...
فكلُّ سؤالٍ، كما تعلمين الآن، يُهدي السجونَ مجالْ!"
واحذفي "القصورَ"...
فالرخامُ عندنا مستوردٌ،
ولا نريدُ لأحدٍ أن يشكّ
بأنّ البلادَ تأكلُ حتى من احلام الرفات
واحذفي "الحريةَ"...
فهي تهمةٌ مشبوهة،
وقد تتسببُ في خللٍ
في أجهزةِ التنفسِ الاصطناعي
للأنظمةِ المحترمةْ!
قلتُ له:
سأكتبُ عني،
عن امرأة أكلت الحبرَ حتى اختنقت،
وخاطَت القصائدَ من لحمها
حتى تمزّقت،
ورأت الحقيقةَ مكبّلةً،
والكذبَ مرفوعًا على منصّةِ الشرفِ
فقال:
"احذفي نَفسَك أيضًا...
فالشاعرة لا تكتبْ،
ولا توجَدْ،
ولا يَنبغي لها أن تتنفّسَ إلّا عبر نافذةِ المُراقبةْ!"...
قلتُ:
وهل أبقي على الحروفِ؟
أم أكتفي بنقاطٍ ثلاثٍ...
تتكررُ في كلِّ بيانْ؟
قال:
بل اكتُبي ما يُسعِدُ "المعالي"،
ما يُدغدغُ الذوقَ السلطاني،
ويُشبهُ موسيقى الانتظارِ في مكتبِ الوالي،
أو أغنيةً تُبَثُّ في مواعيدِ الطوابيرْ...
اكتبي عن نَحلةٍ تبحثُ عن وردةٍ...
عن شمسٍ لا تُحرقُ،
عن قمرٍ لا يتغيّر،
عن جيشٍ من العصافيرْ...
يحرسُ مخازنَ البنزينِ في عزِّ الأزمة!
اكتبي عنك، لكن كظلٍّ،
لا يتقدّمُ، لا يتكلمُ،
ولا يُخطئُ التحيّةَ في نشرةِ الأخبارْ!
فأخرجتُ دفتري القديم،
مسحتُ كلّ ما فيه،
وكتبتُ بيتًا وحيدًا:
"سلامٌ على الوطنِ...
نقطة وارجع الى القبر