كيفَ أَرْثِي وكانَ حُزْني عَظيما
آهِ يا قلبِ كيفَ أرثي النُّجُوما
كُلَّما جاءني مُصابٌ جديدٌ
لمْ يُمِتْني دَعَا المُصابَ القديما
بأبي ثمَّ راغبٍ ثمَّ أُمّي
وأخي سالمٍ وكانَ الجَسيما
ثمَّ فارقتُ أحمداً وجراحي
نازفاتٌ معَ الدِّماءِ اللحوما
قلتُ يا نفسِ فارقيهِمْ فقالتْ
لا تَكُنْ أيُّها الوَدُودُ لئيمًا
وصَديقٌ معَ السنينَ جفاني
يكرَهُ القلبُ ما عداهُ نديمًا
راحلٌ يا صديقَ عمري وعمري
صارَ مِنْ بعْدكمْ سحاباً عقيمًا
أطْبقَ الحُزْنُ فالتَزَمْتُ دياري
غُربتي كانَ مُحْتواها جحيما
يا أبا ياسِرٍ مكانُكَ يبقى
فارغاً والمُصابُ يبقى أليما
لا تسَلْني أنْ كيفَ لوني فإنّي
صارَ لوني بما لَقِيتُ عَديما
فقدُكُمْ كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً
عذّبَ القلبَ بلْ رماهُ سَقِيما
لو تَمَهَّلْتَ يا صديقي قليلاً
أنتَ قد كنتَ بالجَميعِ رحيمًا
يا طريقَ الحريرِ كيفَ سأرثي
حادِيَ الظَّعْنِ والكبيرَ الخَدُوما
ياكريماً وطيِّباً وحَلِيما
وجَمِيلاً وكامِلاً ووَسِيما
كنتَ موسوعةً تَبُثُّ الخفايا
ثُمَّ تُعْطي أَدِلَّةً وعُلُوما
أنتَ قدْ كنتَ للعراقِ لِسَاناً
طالَما كانَ يسْتَفِزُّ الخُصوما
كنتَ تَهوي على الجحيمِ لتُهْدي
مِنْ بعيدٍ إلى العراقِ النَّعيمَا
وتوقَّعْتُ أنْ يُصِيبَكَ سَهْمٌ
فلقد كنتَ للكبارِ خَصيما
يا طريقَ الحريرِ كيفَ سَأرْثي؟
مَنْ متى تنْحَرِفْ يكنْ مُسْتَقيما
كانَ صوتاً مُدَوياً يومَ كانوا
في الكواليسِ يَبْعَثونَ السُّموما
وتُضيءُ الشُّموعُ ليلاً طويلاً
بينَما تُصْبِحُ الخيوطُ رميمًا
سأُجازيكَ بالرثاءِ وإني
جئتُ أرثيكَ يا صديقي الحميما
يا ابنَ سوقِ الشيوخِ قلباً وروحاً
وجُذُوراً وصِبْغَةً وأديما
جئتُ أرثيكَ قائلاً يا كريمٌ
أنتَ قد كنتَ كالعراقِ عَظيما
أيُّ حُزْنٍ مُدَمِّرٍ لحياتي
لمْ يَدَعْ بي هنا مكاناً سليمًا
كم حبيبٍ إلى الجِنانِ جَفاني
وأنا مِنْهُ قد سكنتُ الجَحيما
أيُّها الرّاحِلونَ مَنْ كانَ مِنّا
قاسيَ القلبِ للحبيبِ ظلوما؟
أيُّها الغائبونَ مَنْ كانَ مِنّا
باكياً طولَ عُمْرِهِ مَهْمُوما
هي أرواحُنا معاً راحلاتٌ
إنَّما نحنُ فاقدونَ الجُسُوما
إنّهُ الموتُ أمْرُهُ لَعَجيبٌ
كيفَ يختارُ للمماتِ الخُصوما
إنَّهُ لا يُقيمُ للشوكِ وزناً
هو يَجني نخيلَنا والكُروما
مُخْطِيءٌ مَنْ يقولُ نَنْسى قريباً
أو يقولونَ شِدَّةٌ لنْ تَدوما
وسؤالٌ مُرَدَّدٌ وجوابٌ
لامَسَ الجُرحَ ثمَّ شَقَّ الصَّميما
أغيابٌ لمُدَّةٍ أم طويلٌ
أم سيبقى غيابُهم مُسْتَديما
بقيَ البيتُ خانِقاً ليسَ يَلْقَى
زائراً أو رِسالةً أو نَسِيما
موحِشٌ بعْدَهُ الزَّمانُ عليهِمْ
ربِّ فارْحَمْ أولادَهُ والحريما
قد تسَرَّعْتَ بالغيابِ كريمٌ
آهِ يا قلبِ أينَ نَلقى كريما؟