في زاويةٍ
لا تُدرِكُها الخرائطُ
ولا تَعتَرِفُ بها البوصلةُ
يَنفَتِحُ مقهى جَنَّة
كَفَمِ فِكرةٍ
نَسِيَتْ لماذا وُلِدَت
الطاولاتُ
ليست خشبًا
بل آراءٌ مُتْعَبَةٌ
تَجلِسُ لِتَستريحَ مِن أصحابِها
والكراسي
أقدامُ أسئلةٍ
بُتِرَتْ
لأنها مَشَتْ أكثرَ ممّا يجب
النادلُ
لا يَحمِلُ صينيّةً
يَحمِلُ نوايا
ويُسقِطُها سهوًا
في فناجينِ الغُرَباء
يقولُ لكَ
قَهوتُكَ جاهزة
ولا يَقصِدُ القهوة
يَقصِدُ لحظةً
كانت تَنتَظِرُكَ منذُ الطفولة
ثم مَلَّت
في مقهى جَنَّة
الساعةُ تَضحَكُ
عقاربُها تَتَشاجَرُ
أيُّهما يَسبِقُ الآخر
إلى العدم
والزمنُ
يَجلِسُ في الركنِ
يَطلُبُ شايًا بلا سُكَّر
لأنَّ الحياةَ أفرَطَتْ في تَحليتِها
الزُّبائنُ
ليسوا بشرًا تمامًا
رجلٌ بنِصفِ ظِلٍّ
يُناقِشُ مِرآتَهُ
في مسألةِ الوجود
امرأةٌ تَضحَكُ
ضِحكَةً أكبرَ من فمِها
لأنَّ الحُزنَ
لم يَجِدْ مكانًا آخر
وشاعرٌ
يَنقَعُ قصيدتَهُ في الماء
كي لا تَحتَرِق
من فَرطِ المعنى
هنا
النكاتُ ثقيلةٌ
كَفَلسفةٍ
سَقَطَتْ من جيبِ سُقراط
وكسَرَتْ إصبعَها
والهَزْلُ
ليسَ للضَّحِك
بل لِتَشريحِ الجِدّ
بِدونِ تَخدير
أحدُهُم يَسأَلُ
ما معنى الحياة
فيرُدُّ الكرسيُّ
اِجلِسْ أوّلًا
ويَضحَكُ الجدارُ
لأنَّ السؤالَ
نَسِيَ أن يَدْفَعَ الحِساب
في مقهى جَنَّة
الأفكارُ تُدَخِّنُ
دُخانًا أبيض
يُشبهُ الأرواح
حين تَكتَشِفُ
أنَّ السماءَ
مُجرَّدُ سَقفٍ أعلى قليلًا
تَسمَعُ موسيقى
لا تُعزَف
بل تُفَكَّر
نغماتٌ
تَتَعَثَّرُ ببعضِها
وتَنهَضُ كأنها تقول
لسنا جميلات
لكننا صادقات
الضَّحِكُ هنا
حادٌّ
كَشَفَراتِ المنطق
والجنونُ
لا يُستَعمَلُ للزينة
بل كَمِلعَقةٍ
لِتَحريكِ هذا الكون
الذي نَسِيَ أن يَذوب
إذا شَرِبتَ القهوة
حتّى آخرِ رَشفة
قد ترى نفسَكَ
جالسًا على الطاولةِ المُقابِلَة
تُلوِّحُ لكَ
وتقولُ
لا تَقلَق
كلُّنا زُبائنُ مُؤقَّتون
في هذا المقهى
وعند الخروج
لا باب
فقط فِكرةٌ
تَدْفَعُكَ بِلُطف
وتَهمِسُ
عُدْ متى ضِعتَ
فمقهى جَنَّة
يَفتَحُ أبوابَهُ...