كان الزمانُ شتاءً بارداً وأنا
خلفَ المتاهاتِ وحدي اشتهي سكنا
أضعتُ عمري، رسولُ الشيبِ زاورني
في قبضةِ الحربِ عمري ضاعَ وارتهنا
تغرب الفكرُ عن عقلي وعن لغتي
لا فكر عندي يزيح الهمَّ والحزنا
الشعرُ ما الشعرُ؟ أفكارٌ هنا وهنا
بعض المواويلِ يشجي لحنُها الأذنا
إنّي سقيتُ نبيذَ الشعرِ من صغري
حتى غدوتُ رصيناً صادقاً فطنا
في غيهبِ التيهِ أهذي تلك قافيتي
تراودُ العقلَ والأحبابَ والوطنا
روحي عليهم تنوحُ الآن في جسدي
كنائحِ الدهرِ يبكي الشامَ واليمنا
أرثي بشعري همومَ الأرضِ من زمنٍ
ودون شعري دموعٌ تفتكُ الجفنا
حطتْ رحانا هنا في جوفِ مسغبةٍ
أنعيك صنعاءَ أم أبكي الهوى عدنا؟
إني خبرتُ بناتِ الدهرِ أكثرها
خبرتُ فيها الجوى والحربَ والفتنا
من أين أبدأ شكوى القلبِ يا وطني
منذ الطفولة قلبي يمضغُ المحنا
لا لستُ أيوب في صبري على وجعي
أنا ضعيفٌ أخافُ الشاشَ والحقنا
جسمي هزيلٌ وقلبي لم يعد صَلِفاً
كي يحملَ الخوفَ والآهاتِ والدرنا
فإنْ صبرتُ على ما الجسم يحمله
بحملِ غيري فؤادي يدفعُ الثمنا
قلبي على امرأةٍ بالكادِ تَسأَلُنِي
بعضَ الدنانيرِ؛ نفسٌ تكره المننا
قلبي لشيخٍ عجوزٍ شاخَ كاهلُه
على عصاه يطوفُ الريفَ والمدنا
يرجو من الله دون الناسِ حاجتَه
نورُ التجاعيدِ يكسو الوجَه والبدنا
قلبي لطفلٍ شريدٍ ماتَ والده
يمدُّ كفَّ الأسى كي يشتري لبنا
قلبي على هذه الأرضِ التي وهنتْ
فيها النفوسُ، بلادٌ تسكنُ الكفنا
متى نراها بثوبِ العزِ كاسيةً؟
إنَّا مللنا حياةً سادها الجبنا
يا صيحةَ الدهرِ هذا الشعبُ قد فتكتْ
به الرزايا، بجبِ الحربِ قدْ دفنا
هذي الحروفُ التي قلدتُها وطنا
لنْ تخذلَ الشَّعبَ، لا لنْ تخذلَ اليمنا
مهما أناختْ جروحُ الضيمِ في جسدي
حرفي عظيمٌ وعقلي قطّ ما وهنا
سأنفخُ الروحَ في شعري وأسرجه
لا خير في الشعرِ أن لم يهدم الوثنا
تلك الأساطيلُ تغزو بحرَ قافيتي
من أودجِ الحرفِ شعري يصنعُ السفنا