تخطَّ إلى المحتوى

قلبي تعلق طفلة مكية

الكامل

٦٠ بيت

النسيب

قَلْبِي تَعَلَّقَ طَفْلَةً مَكِّيَّةً

خُلِقَتْ مِنَ الكَافُورِ بَلْ هِيَ أَطْيَبُ

وَجَبِينُهَا صَلْتٌ تَبَلَّجَ غُرَّةً

صُبَّ الجَمَالُ بِهِ فَعَزَّ المَطْلَبُ

قَدْ صَاغَهَا الرَّحْمَنُ آيَةَ فِتْنَةٍ

نُورًا عَلَى بَدْرِ السَّمَاءِ يُغَلَّبُ

وَالوَجْهُ كَالإِصْبَاحِ فُتِّقَ كِمُّهُ

عَنْ نَفْحَةٍ مِنْهَا القُلُوبُ تُغَيَّبُ

وَتَرَى الخُدُودَ صَوَارِمًا مِنْ وَرْدَةٍ

لِجَمَالِها عَقْلُ اللَّبِيْبِ يُسَلَّبُ

صُقِلَتْ بِمَاءِ التِّبْرِ حَتَّى خِلْتَهَا

قَمَرًا عَلَى مَحْضِ اللُّجِيْنِ يُذَوَّبُ

وَلَأنَّهَا مِثْلُ المُدَامِ صَفَاؤُهَا

جَيْشُ الجَمَالِ بِرُكْنِهَا يَتَحَزَّبُ

يَرْتَدُّ طَرْفُكَ عَنْ حِمَى وَجَنَاتِهَا

كَالسَّيْفِ عَنْ دِرْعِ السَّمَاءِ يُخَيَّبُ

وَتَوَقَّدَتْ وَجَنَاتُهَا مِنْ نَضْرَةٍ

كَدَمِ العَقِيْقِ بِمِرْوَدٍ يَتَخَضَّبُ

وَكَأَنَّمَا بَهَر النّجُومَ بِحُسْنِها

فَالشَّمْسُ تَخْجَلُ وَالسَّنَا يَتَسَرَّبُ

وَالحُسْنُ أَشْرَقَ فِي سَنَا قَسَمَاتِهَا

وَالعِطْرُ مِنْ نَضْحِ الرُّضَابِ يُهَرَّبُ

وَجَبِينُهَا مِرآةُ كُلِّ سَكِينَةٍ

صُبَّ الجَمَالُ بِهِ فَعَزَّ المَطْلَبُ

تَرْنُو فَتُرْدِي العَالَمِينَ بِأَعْيُنٍ

حَوْرَاءَ فِيهَا لِلْمَنِيَّةِ مَشْرَبُ

سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ السَّوَادَ مَجَرَّةً

فِي طَرْفِهَا كُلُّ المَشَاعِرِ تُسْحَبُ

صَقَلَ الإِلَهُ خُدُودَهَا مِنْ جَوْهَرٍ

وَالجُلَّنَارُ عَلَى المَلامِحِ يُسْكَبُ

إِمَّا اسْتَنَارَ بَهَاؤُهَا فِي لَيْلَةٍ

ذَابَ العَقِيقُ وَغَاضَ نَجْمٌ يَثْقُبُ

ثَغْرٌ لَهَا يَفْتَرُّ فَوْقَ لَآلِئٍ

نُظِمَتْ بِدُرِّ المُزْنِ بَلْ هِيَ أَثْقَبُ

أَوْمَتْ بِثَغْرٍ كَالمَجَرَّةِ ضَاحِكًا

مَنْضُودُ دُرٍّ فِي الحَدِيثِ يُرَتَّبُ

تِلْكَ الشِّفَاهُ كَأَنَّهَا وَرْدُ الحَيَا

مِنْ رِيقِهَا عَسَلُ الجِنَانِ يُجَلَّبُ

وَكَأنَّهَا شَفَقٌ تَخَضَّبَ بِالمُنَى

كَدَمِ الزُّهُورِ عَلَى الرُّخَامِ يُسَرَّبُ

فَإِذَا نَبَسْنَ فَإِنَّ كُلَّ بَلَاغَةٍ

تَجْثُو وَإِنْ صَمَتَتْ فَوَحْيٌ يُرْقَبُ

رُسِمَتْ بِرِيْشَةِ جَذْوَةٍ نَارِيَّةٍ

مِنْهَا لَظَى كَأْسِ الصَّبَابَةِ يُحْلَبُ

وَالجِيدُ مَرْمَرُ نُورِهِ مُتَوَهِّجٌ

كَمَهَاةِ رَمْلٍ فِي الفَلا تَتَوَثَّبُ

قَلَّدْتُ جِيدًا مِنْ قَصِيدِي عَسْجَدًا

فَارْتَاحَ لُؤْلُؤُ عِقْدِهَا المُتَلَهِّبُ

يَا كَفَّ مَنْ مَسَّ السَّحَابَ بَنَانُهَا

فَتَحَيَّرَ المَطَرُ الهَتُونُ وَيَشْرَبُ

رَقَّتْ أَصَابِعُهَا كَخُوصِ حَرِيرَةٍ

فِي مَلْمَسٍ فَوْقَ الخَيَالِ يُهَذَّبُ

وَتَمِيسُ فِي رَوْضِ الدَّلَالِ كَأَنَّهَا

غُصْنٌ لَهُ رِيحُ النَّعِيمِ تُؤَدِّبُ

وَالخَصْرُ مِنْ دِقَّاتِهِ لَمْ يَبْقَ لِي

عَقْلٌ بِهِ كُلُّ الهُمُومِ تُحَجَّبُ

فَكَأَنَّهُ خَيْطُ اللُّجِيْنِ صَفَاؤُهُ

وَيَكَادُ مِنْ هَمْسِ النَّسِيمِ يُقَضَّبُ

أَعْيَا المُهَنْدِسَ فَهْمُ سِرِّ قَوَامِهِ

طَيٌّ لِأَسْرَارِ المَدَى لا يُحْسَبُ

رَقَّتْ مَدَارِجُهُ فَلَوْ مَرَّ الصَّدَى

بِعُرُوقِهِ لَرَأَيْتَ كَيْفَ يُذَبْذَبُ

مَا اهْتَدَّ صَانِعُ جَرَّةٍ لِجَمَالِهَا

إِلَّا لَكَانَ بِخَصْرِهَا المُسْتَلْبَبُ

سَرَقَ انْحِنَاءَ الخَصْرِ مِنْ أَوْصَافِهِ

وَأَزَاحَ فِتْنَتَهُ بِطِيْنٍ يُقْلَبُ

يَحْكِي أَنِينِي فِي رَشَاقَةِ قَدِّهَا

وَالرِّدْفُ مِنْ جَوْرِ المَحَاسِنِ يَتْعَبُ

كَالمَوْجِ يَخْفِقُ بَطْنُهَا فِي نِعْمَةٍ

فِيهَا السَّرَابُ مِنَ الحَيَاءِ يُغَيَّبُ

وَبِصَدْرِهَا حَرَمٌ تَعَالَى طُهْرُهُ

بَلْ قُبَّةٌ لِلْخَافِقَيْنِ تُنَصَّبُ

نَهْدَانِ كَالبَدْرَيْنِ فِي صَدْرِ السَّمَا

كُلُّ المَحَاسِنِ دُونَهَ تَتَشَعَّبُ

نَهْدَانِ مَا انْحَسَرَا لِعَيْنِ مُؤَمِّلٍ

إِلَّا وَخَرَّ لَهُ الخَيَالُ يُعَذَّبُ

وَزَبَرْجَدٌ صِيغَتْ قَوَالِبُ سِيْبَةٍ

وَعَلَى تَمَرُّدِهِ المَجَرَّةُ تُصْلَبُ

وَمَنَابِتُ المِسْكِ الَّتِي إِنْ نشّرَتْ

غَدَتِ الرِّيَاضُ مِنَ الحَيَاءِ تُحَجَّبُ

هَيْفَاءُ تَرْفُلُ فِي الحَيَاءِ تَدَلُّلًا

تَمْشِي الهُوَيْنَى وَالعَبِيْرُ يُجَلْبَبُ

يَا غَادَةً كَمُلَتْ بِطُهْرِ حِجَازِهَا

وَتَسَامَقَتْ فِتَنًا فَجَلَّ المُعْجِبُ

فِي سُرَّةٍ لَكِ عَرْشَةٌ مَلَكِيَّةٌ

فَبِهَا الْأكَاسِرُ عَرْشَهَمْ قَدْ نَصَّبُوا

زَعَمُوا بِأَنَّ الآلِهَاتِ تَجَمَّعَتْ

فِي غَوْرِهَا وَكُؤُوسُ رَاحٍ تُسْكَبُ

دَارَتْ بِهِمْ خَمْرُ الدَّلَالِ فَعَرْبَدُوا

رَقْصًا وَفِي ذَاكَ المَقَامِ تَطَيَّبُوا

مَا الغَوْرُ إِلَّا مَنْسِكٌ لِجَمَالِهَا

بَقِيَتْ لَهُ كُلُّ الدُّهُورِ تُهذَّبُ

أَرَأَيْت لَوْ سَكَنَ المُدَامُ بِغَوْرِهِ

لَحَظَاتِ وَجْدٍ هَلْ لِذَلِكَ مَهْرَبُ؟

تِلْكَ القُطَيْرَاتُ التي قَدْ أُودِعَتْ

صَارَتْ نَشَاوَى وَالدِّنَانُ تَهَيَّبُ

أضْحَتْ نَشَاطَتُهَا لِعَقْلِيَ مَقْتَلًا

أَقْوَى مِنَ الصِرْفِ الذي لَا يُغْلَبُ

كَانَتْ طُقُوسُ العِزِّ تَحْكِي نَشْرَهَا

نَضْحًا مِنَ الأَعْنَابِ رَقَّ وَيُسْكَبُ

يَجْرِي سُلَافًا بَيْنَ صَدْرٍ كَعْبَةٍ

حَتَّى بِمِحْرَابِ الجَمَالِ يُصَوَّبُ

فَإِذَا اسْتَقَرَّ بِسُرَّةٍ طَابَ الجَنَى

رَشَفَ المَلِيكُ رَحِيقَهُ وَيُغَيَّبُ

يَمْضِي بِسَكْرَةِ لَذَّةٍ لَا يَنْتَهِي

فِي غَيْهَبِ الوَجْدِ المُصَفَّى يُقْلَبُ

قَدْ حَارَ فِيكِ الوَصْفُ يَا مَكِّيَّةً

كَمْ شَاعِرٍ فِي بَحْرِ عينِكِ يَرْسُبُ

قَدُمَتْ صَلَاتِي فِي مَحَارِيبِ الهَوَى

وَالقَلْبُ فِي مَجْلَى جَمَالِكِ يَرْهَبُ

طَافَ الخَيَالُ بِرِيحِ ثَوْبِكِ لَيْلَةً

فَتَعَطَّرَتْ شُمُّ الجِبَالِ وَيَثْرِبُ

مَكِّيَّةُ الأَعْرَاقِ نُورُ صَفَائِهَا

نَهْجٌ لِكُلِّ الهَائِمِينَ وَمَطْلَبُ

هِيَ لُؤْلُؤُ المَكْنُونِ شَمْسُ نَهَارِنا

فِيهَا الجَمَالُ بِكُلِّ فَنٍّ يُسْهَبُ

يَا رَبَّةَ الحُسْنِ الْعَتِيْقِ تَمَهَّلِي

إِنَّ الفُؤَادَ بِحُبِّكِ المُتعَذِّبُ

فَلَقَدْ بَثَثْتُكِ فِي القَصِيْدِ حُشَاشَتِي

نَظْمًا لَهُ هَامُ الفَصَاحَةِ تُجْنَبُ