دائماً كنتُ ألمحها
وأنا شاردُ البالِ في شارعِ الأربعينْ
تتساقطُ منها الدموعُ التي اعتصرتها
ليالي العذاباتْ
تتساقطُ في الطرقاتْ
وتدوسُ على دمعها – غير داريةٍ –
أرجل العابرينْ !
دائماً كنتُ أسمعها
تستجرُّ بصوتٍ ذليلِ الأسى ،
بأغاني المرارة ِ
رتلاً من الأمّهاتِ الحزيناتْ ...
فإلى أين تمضي
بهذي النفوسِ التي يتجمّدُ فيها السوادُ
وبؤسُ المساءِ الضنينْ !
آهِ كلُّ النساءِ اللواتي يُجدنَ مع الفجرِ
طهوَ العجينْ ..
يتسوّلنَ في مركزِ العونِ خبزَ الإعاناتْ .
يا صديقي الصغيرْ!
صلّ في آخرِ الليلِ للهِ
علّ الأخيرْ
يعصرُ النورَ من روحهِ في عيونِ العماةْ !
مشهدُ الشمسِ عندَ المغيبِ
تغصُّ مصابيحُه بالأسى والعذابْ!
وهنالكَ في شارعِ الأغنياتِ الجريحةِ
حين نمرّْ ..
تحت قوسِ السآمةِ والألمِ المرِّ
نسمعُ موّالَ حزنٍ قديمٍ
ونحدسُهُ مثلَ سرّْ
فكأنَّ النساءَ الحزينات
مازلنَ يعبرنَ بين البيوتِ
ولا يطرقنَ بابْ..
وكأنَّ الفتاةَ التي سرقتها أيادي الضباب ْ
ما تزالُ على حزنها الميتِ شاردةً
في الشوارعِ لكنها لا تُرى ..
تتسوّلُ بين الدكاكينِ منسيّةً
لا تُباع ولا تُشترى ..
تسألُ الناسَ عن رأفةِ القلبِ
عن راحةِ الروحِ
عن وحشةِ الاغترابْ .
كلنا نعبرُ الشارعَ الميتَ
في وحشةٍ واغترابْ
..نقرأُ الموتَ في نظراتِ المسنّينَ
والعابرينْ ..
ونخمّنُ أن الذي يعبرُ الآنَ
ليسَ شخصاً تماما
ولكنهُ محض ظلٍّ يفتّشُ عن ملجأٍ للأمانْ ..
محضُ ظلّ يتابعُ وقعَ البكاءِ
الذي يتجاوبُ ممتلئاً بالمرارةِ
في شارعِ الأربعينْ !
فإذا نعست ساعةُ الليلِ
وانطفأت في المطاعمِ والواجهات الجميلةِ
كلُّ الشموعْ
راحَ ظلُّ الغريب يقطّرُ من قلبهِ
الدمعَ في صحن جوعْ
ويمكثُ مثل الضريرِ بزاويةِ الليل
يجترُّ وحشةَ هذا المواتْ
مصغياً لعذاباتِ شحّاذةٍ
تتذلّلُ في الطرقاتِ بصوتٍ حزينْ!
لم أعد أعبرُ الآنَ في شارعِ الأربعينْ
لم أعدْ في ليالي التذكّرِ أسمعها
وتلاشت بقلبي حلاوةُ هذي الحياةْ !
والعذاباتُ تلو العذاباتِ
تنسابُ في خاطري
كشريطٍ من الذكرياتْ
لم أعد أسمعُ الآنَ غيرَ النواحِ
ونهنهةِ المتعبينْ ..
وأغاني المرارةِ ينشدها في الشوارعِ
رتلُ النساءِ الحزيناتْ!
كالغريبِ نظرتُ كئيباً إلى شارعِ الأربعينْ
فرأيتُ نفوسَ المساكينِ في سكرةِ الليل
تبحثُ قربَ جدارِ الرمادِ
البدائيِّ عن ملجأٍ أو نفقْ ..
كنتُ أمضغُ خبزيَ ممتزجاً بالدموعِ
وقلبي من شدةِ الخفقانِ اختنقْ
فقلبتُ على ذلّ هذا الطعامِ الضنينِ الطبقْ
وتلاشى شرودي الحزينْ .