أصحابٌ كالأغرابِ وأغرابٌ كالأصحابْ !
حلّتْ وحشةُ أيلولَ الراحلِ يا ريحُ
وسالَ زلالُ الدمعِ من الميزابْ !
... أصحابٌ كالأغرابْ !
الأنَ سيرقدُ قدّيسُ الليلِ قريرَ الروحِ
وتملأُ عينُ الشاعرِ بالدمعِ الأكوابْ !
أصحابٌ كالأغرابِ وأغرابٌ كالأصحابْ !
والآنَ يحوكُ الحزنُ قميصَ العزلةِ للمجروحِ
وفي صومعةِ الناسكِ يغمضُ عينيهِ
سراجُ الزيت ْ .
حلّتْ هدأةُ أيلولَ الراحلِ يا روحُ
ورخرختِ الغيمةُ تحتَ سماءِ القمرِ المرضعِ
رخرخةً بيضاءَ على الزهرِ الميتْ !
حلّت هدأةُ أيلول ...
وعامتْ سكراتُ الموتِ القزحيّةُ مثل ضياءِ المغربِ
في حجراتِ البيتْ .
الآنَ أرتّبُ كرسيّينِ عجوزينِ
وطاولةً لخلاءِ الليلِ
وأدعو من يصدقني في الحزنِ من الخلصاءِ
فلا يأتي أحدُ ...
لا الأترابُ الغيّابُ ولا الأحبابُ الأطيابْ !
لا يأتيني غيرُ غلامٍ متّشحٍ بظلامٍ أعمى
ليعلّقَ نعوةََ موتي السوداءَ على كل الأبوابْ !
والانَ ترنُّ المرثيّاتُ المجروحة ُ
فوق قبورِ الوادي
ويجيءُ خريفٌ مكسورٌ
بمزاميرِ اليأسِ
ليغرقَ نفسي في غيبوبةِ حلمٍ ميتْ !
راحَ الرفقاءُ فرادى
كسكارى الليلِ الى غيبتهم
وبذاكَ الأفقِ الغامضِ غابوا وابتعدوا ..
صاروا أسماءً بيضاءَ على الألواحِ الجرحى
واندثروا تحت سكينةِ موتْ !
تركوني جرحاً مفتوحاً
أقتاتُ على ندمِ القلبِ
وأصغي في أوقاتِ الضجرِ المرّةِ
لخريرِ فراغِ البيتْ !
تركوني أنصبُ كالصيّادِ اليائسِ أفخاخي
بين حواكيرِ الريحِ
فلا يصطادُ كآبةَ أيّامي أحدُ !
رحلَ الرفقاءُ وليس لوحشتهم حدُّ !
من يجمعُ بالكأسِ نبيذَ الليلِ المتقطّرِ من داليةِ الدارِ
ومن يمسحُ دمعاتِ العتمِ المذروفةَ من أسرجةِ الغيّابْ ؟
هطلتْ دمعةُ أيلولَ الراهبِ يا روحُ
ورخرختِ الغيمةُ رخرخةً بيضاء َ
على زهرِ القديّساتِ
فذابت في مائي الغصّاتُ
الغصّاتُ العذبةُ
واحترقت في روحي الحسراتُ
وسال َالدمعُ زلالاً من شفةِ الميزابْ !
يا أيلولُ لماذا صرنا أصحاباً كالأغرابِ
وأغراباً كالأصحابْ ؟
رخرختِ الغيمةُ رخرخةً بيضاءَ
ولاحتْ كمناديلِ وداعٍ
بجعاتُ الصيفِ الحلوةُ فوق التلّةِ
وانتظمتْ تحت سماءِ الهجرةِ
أسراباً .. أسرابْ !
الآنَ يطولُ طريقُ الليلِ على الأملِ الأعمى
وتدقُّ مناقيرُ الريحِ شقوقَ الجدرانِ
محركةً بالإيقاعِ المتعبِ قنديلاً
يتعلّقُ كالقلبِ الميّتِ وسطَ فراغِ البيتْ !
والآنَ تلفُّ كآبةَ عقلي أكفانَُ السأمِ السوداءِ
وتحفرُ في روحي الوحشةُ نعشاً
منقوشاً بوشومِ الليلِ بلا أخشابْ !
ويصيرُ الحزنُ العاصفُ قرباناً لعذاباتِ
حزينٍ ميتْ !!
يا عصفورَ الحزنِ البردانَ
على شبّاكِ حنيني !
صارَ البيتُ كصومعةِ العزلةِ مملوءً بالليلِ
تجرّحهُ التنهيداتُ
ويبكيهُ أسى الحسراتْ !
من سيذكّرُ قلبي بأخوةِ أكواخ ِالطينِ
المسكونةِ بنحيبِ النايات ِ
وأجاعِ القصبِ المجروحِ ويرثيني ؟
أأظلُّ وحيداً مستاءً في عزلةِ نفسي
لا من يضحكني في الصيف
ولا في الشتويّةِ من يبكيني ؟
أأظلُّ وحيداً يا ندمَ الشعراءِ
الموصولَ كخيط ِالعزلةِ
من أوّلةِ الأبياتِ إلى آخرةِ الأبياتْ !
يا عصفورَ الحزنِ البردانَ
لقد رحلَ الأصحابْ !
هطلتْ دمعةُ أيلولَ
ورشَّ المطرُ المذروفُ بذورَ الحزنِ على الأبوابْ !
هطلتْ دمعة ُأيلولَ الراهبِ يا روحُ
وعامتْ سكراتُ الموتِ القزحيّةُ
مثل قناديلِ المغربِ فوق سهولِ الغابْ !
الآنَ تفتّحُ ذكرى الآمالِ المرّةِ
من طيّاتِ القلبِ المكسورِ
ويمتدُّ بعيداً عن شبّاكِ الناسكِ سهلُ الصمتْ !
والآنَ يجيءُ غلامٌ متشحٌ بالأشجانِ
ويسألني عن والدهِ الميتْ !
فأقولُ : أبوكَ وحيدٌ
يسكنُ كلَّ بيوتِ الناسِ
وليسَ له بيتْ !
فافتحْ قلبكَ كي نتكلّمَ عن أحبابٍ غابوا
أو سكنوا بيتَ ترابْ !
وقفَ الشاعرُ قدّامَ البابْ ..
وبكى أصحاباً صاروا كالأغرابِ
وأغراباً صاروا كالأصحاب ْ .