البحرُ بحرٌ وإنْ يثَّاقَلُ الكَدَرُ
في عُمقِهِ الخيرُ والمرجانُ والدُرَرُ
في عُمقِه كلُّ ما نسعى لغايتِهِ
فيه الحياةُ وفيه الحبُّ والصورُ
فيه المعاناةُ حدَّ الموتِ طاعنةً
تَنزُّ من جرحِهِ والجرحُ يَستعرُ
كمْ قاومَتْ نفسَهُ الأشباحُ قاتلةً
وكمْ أقامَ على أعماقِهِ الضَّجَرُ
وكم تَنزَّلَ من أقصى مداركِها
بصيصُ ضوءِ هوىً حيرانَ يحَتضرُ
إنَّ البصيصَ أراهُ اليومَ مؤتِلقاً
كالشمسِ فوقَ المدى تَمضي وتَنتَشرُ
والبحرٌ ملتطمٌ تيارُهُ غضِبٌ
لم يثنِهِ مركبٌ يطويهِ أو سَفَرُ
وذا ارتهابُكَ منه حينَ تنظرُهُ
هو ارتهابُ حياةٍ فيه تَشتَجِرُ
يا رهبةَ البحرِ هذا البحرُ يسألُني
أنّى سَيُمنعُ عنهُ الضيَّمُ والغَرَرُ
وهلْ سيرحلُ يوماً ظلُّ داجيةٌ
سامَ الصباحاتِ منها العيُّ والخَدَرُ
كمْ يُطعَنُ البحرُ في أحشائِهِ وترى
برُغمِ إصرارِه يُغضي ويَصطبرُ
فرهبةُ الكونِ كلِّ الكونِ يحملُها
لو ضجَّ يوماً بهِ الأعماقُ تَستجرُ
لكنَّ صبرَكَ يا أدنى مرافئِنا
وخيرَ ما نرتجي مرٌّ بهِ كِبَرُ
ما قيلَ للبحرِ بحرٌ من سكينتِهِ
أو منْ حَبابٍ إلى الشطانِ تَنحدِرُ
بل قيلَ للبحرِ بحرٌ كونُهُ صخباً
وكونُ أعماقِهِ بالغيظِ تَنفجرُ
وكونُ أسرارِهِ لمّا تَزلْ غَرضاً
يخامرُ النفسَ في طياتِهِ الحَذَرُ
وإنَّ سِرَّكَ صرتُ الآنَ أُدركُهُ
لا يُدركُ الشيءُ إلاّ حينَ يُختَبرُ
هل يُدركُ الليلُ مَهما مدَّ ظلمتَهُ
وكم تَطاولَ لولا النجمُ والقَمَرُ
هل يُعرفُ الشرُّ لولا الخيرُ يَسبقُهُ
كلاهما طيِّعٌ والأطوعُ البشَرُ
وكيفَ يُعرفُ مَنْ بالخلقِ مُستتراً
وكيفَ أغوارُهُ للناسِ تَنسَبِرُ
فقد يَغشُّكَ بعضُ الناس منظرُهُ
أو يخدعنَّكَ فيه الرأيُ والبَصَرُ
أو يرضينَّكَ مَعسولٌ يزوقُهُ
من الكلامِ وفيه السُّمُ والإبَرُ
وقد تطولُ مع الأيامِ صحَبُته
لكنَّما الدربُ فيه السهلُ والعَثَرُ
فما خَليلُكَ من صافاكَ في نِعَمٍ
ولا خليلُكَ مَنْ يُعطي ويَنتظِرُ
ولا خليلُكَ مَنْ حيَّاكَ مُبتسماً
وراحَ بعدَكَ بالأسرارِ يبَتدرُ
إنّي أرى المرءَ لا يُبدي مودتَهُ
إلاّ على غايةٍ في السِّرِ تَسَتِترُ
ولو تمكَّنَ منها قيدَ أَنمُلَةٍ
زاغَتْ بهِ النفسُ واستشرى به الشَّرَرُ
وإنْ تفتَّقَ عنها الصُبحُ وافتضَحتْ
فغايةٌ بعدها تأتيكَ أو أُخَرُ
وأيُّ مسعىً إذا ما ساءَ فاعلُهُ
ضَلَّتْ معانيهِ مهما كانَ يَعتذِرُ
وهانَ لو أنَّهُ يَسعى لها وَحِداً
ولا يَسوؤكَ منه السوءُ والضَّرَرُ
لكنَّما المرءُ صارَ النفعُ يَشغلُهُ
متى تعلَّقَ بانَ الزَّيفُ والخَطَرُ
وكشَّفَ الدهُر عن أشرى نواجذِهِ
والغَدرُ في ملتقى عينيهِ يأتَمرُ
فلا يخُيفكَ من بالسيفِ مُتشَّحٌ
بلى يخُيفكَ إخوانٌ إذا غَدَروا
وأتبعُوا النصَّلَ تلو النصَّلِ يدفعُهُم
هذا الجفاءُ وهذا المكرُ.. كم مكروا
وأَوّلوا كلَّ قولٍ أنتَ قائلُهُ
وليسَ قولَكَ إلاّ التِّبرُ والغُرَرُ
وأَعجزُ الناسِ لا يسعى إلى هَدَفٍ
كما سَعيتَ ولا يُبقي ولا يَذَرُ
وكلُّ قِمَّةِ طَودٍ تَنتَمي شَرَفاً
لقِمَّةٍ مثلِها تَسمو وتَزدَهِرُ
ويبَحثُ الدُونُ قربَ الدونِ في سَفَحٍ
عن أيِّ جُحرٍ بهِ والدونُ ينَقَبرُ
وأنتَ تَسمو كما يَسمو العُلا رُتباً
ما ساءكَ الأينُ والإعياءُ والسَّهَرُ
ولا أضرَّتْ بكَ الأحزانُ كَمْ عَرَضتْ
بليلِ دَربِكَ والآهاتُ والكَدَرُ
ماضٍ بعَزمِكَ لا تلوي خطاكَ خطىً
ولا يهزُّكَ كمْ يَسَّاقِطِ الحَجَرُ
ولا يغيظُكَ ما تَبني عناكبُهم
قد أوهَنَ اللهُ ما يَبنونَ والقَدَرُ
ولا يَهمُّك ما تلقاهُ مِنْ عَنَتٍ
وما يَغِلُّ بصدرِ الحاسدِ الوَحَرُ
إنْ يحسدوكَ على شَيءٍ يُساورُهم
فذاكَ طبعٌ بهِ الأوباشُ تَتَّزِرُ
لا تُثْنِكَ العينُ مهما تَبدو شاخِصةً
إنَّ التميمةَ آيُ اللهِ والسُّوَرُ
فأنتَ قيثارةٌ مازالَ عازفُها
منكَ الفؤادُ يُرجِّي عزفَهُ الوَتَرُ
غَرِّدْ قَصيدَكَ واسحَرْ كلَّ رابيةٍ
حتى يَميسَ على أنغامِكَ الزَّهَرُ
وكيْ تُعيدَ لزهرِ الروضِ ضحكتَهُ
ليمنحَ الكونَ منه الطيبُ والذَّفَرُ
وأتركْ لمن يَدَّعي ما ليسَ يألَفُهُ
ساءتْ مسامعُ مَنْ في جوفِهِ الصَّخَرُ
لا يألفُ المرءُ إلاّ إلفُهُ أبداً
وإلفُ مَنْ يدَّعي، الإذعانُ والخَوَرُ