نُواحُ رِيحٍ عَلَى الأَطْلَالِ يَدْعُونِي
فَأَبْكِي الدَّارَ، لَا أَهْلٌ وَلَا دَانِي
وَقَفْتُ أَسْأَلُ رَسْمَ الدَّارِ مِنْ كَمَدٍ
فَمَا أَجَابَ سِوَى صَمْتٍ وَأَحْزَانِ
هُنَا الأَحِبَّةُ كَانُوا... ثُمَّ مَا بَقِيَتْ
إِلَّا الرِّيَاحُ تُنَادِي بَعْدَ هِجْرَانِ
دَارٌ خَلَتْ، وَيَدِي تَمْحُو مَعَالِمَهَا
كَأَنَّهَا لَمْ تَذُقْ يَوْمًا بِأَجْفَانِي
يَا دَارُ أَيْنَ الَّذِي قَدْ كَانَ يُؤْنِسُنَا
أَيْنَ السُّهَادُ وَأَيْنَ الوَصْلُ ثَانِ
مَرَّتْ رِيَاحُ الأَسَى تَشْكُو مَآتِمَهَا
فَزَادَ قَلْبِي نُوَاحًا فَوْقَ نِيرَانِي
كَانَتْ لَيَالِي الهَوَى ظِلًّا نَلُوذُ بِهِ
فَصِرْنَ نَارًا بِلَا وَعْدٍ وَلَا أَمَانِ
مَا كَانَ ذَنْبِي سِوَى صِدْقٍ حَمَلْتُ بِهِ
حَتَّى دَهَانِيَ غَدْرُ القُرْبِ وَالشَّانِ
كَمْ لَيْلَةٍ عِنْدَ نَارِ الحَيِّ تَجْمَعُنَا
وَاليَوْمَ لَا نَارَ، لَا خِلٌّ وَلَا دَانِي
سُقْيًا لِتِلْكَ اللَّيَالِي حِينَ تُضْحِكُنَا
قَبْلَ الفِرَاقِ وَقَبْلَ البَيْنِ أَزْمَانِ
يَا رِيحُ بَلِّغْ سَلَامِي إِنْ مَرَرْتِ بِهِمْ
قُولِي: تَرَكْتُمْ فُؤَادًا غَيْرَ نِسْيَانِ
مَا زِلْتُ أَحْفَظُ عَهْدِي رَغْمَ مَا فَعَلُوا
وَلَمْ أُبَدِّلْ هَوَى قَلْبِي بِخِذْلَانِ
لَكِنَّ صَدْرِي قِفَارٌ لَا حَيَاةَ بِهَا
بَعْدَ الرَّحِيلِ سِوَى دَمْعٍ وَأَشْجَانِ
إِنْ مَرَّ طَيْفُهُمُ يَوْمًا بِخَاطِرَتِي
قَامَتْ قِيَامَةُ أَشْوَاقِي وَأَحْزَانِي
أَمْشِي وَأَحْمِلُ فِي أَضْلُعِي وَجَعًا
كَأَنَّهُ المَيْتُ بِلَا لَحْدٍ وَلَا شَانِ
مَا عَادَ فِي الدَّرْبِ غَيْرُ الصَّبْرِ يَصْحَبُنِي
وَلَا رَفِيقَ سِوَى ذِكْرَى وَخِذْلَانِ
هَذه أَنَا، آخِرُ البَاكِينَ مِنْ أَسَفٍ
أَنُوحُ مِثْلَ الرِّيَاحِ فَوْقَ خُسْرَانِي
إِنْ كَانَ لِلدَّهْرِ حُكْمٌ لَا نُخَاصِمُهُ
فَحُكْمُ قَلْبِي بَقَاءُ الوَجْدِ سُلْطَانِي
سَأَقِفُ حَتَّى يَذُوبَ الصَّوْتُ مِنْ فَمِي
وَيَشْهَدَ الطَّلَلُ المَكْسُورُ حِرْمَانِي
فِرَاقُهُمْ عَلَّمَنِي أَنْ لَا أُصَدِّقَهُمْ
وَأَنَّ أَقْسَى الأَسَى فَقْدُ إِنْسَانِ