وطني، أين أنا ممّن أودْ
أوَ ما للحظِّ بعد الجزْر مَدْ؟
ما رَسَتْ حيث رست فُلْكُ النوى
لو أباحوا ليَ في الدفَّة يدْ!
غاب خلف البحر عني شاطئٌ
كلُّ ما أرّقني فيه رَقَد
فيه سلمى فيه جناتُ الهوى
فيه طيرُ الأنس تدعو مَنْ شَرد
فيه مُرُّ العيش يحلو وأرى
في سواه زُبدةَ العيش زَبَد
وطني، ما زلتُ أدعوك أبي
وجراحُ اليُتْم في قلب الولد
ما رضيتُ البَيْنَ لولا شِدَّةٌ
وجدتْني ساعةَ البين أشد
فتجشَّمتُ العنا نحو المنى
وتقاضاني الغنى عمراً نفد
هل درى الدهرُ الذي فرَّقنا
أنه فرّقَ روحاً عن جسد؟
جعل البرهةَ من أعمارنا
لتلاقينا، وللبينِ الأبد!
وطني، حتَّامَ ترتدُّ الصَّبا
دون أن تحمل من سلْمايَ رَد
ضاعتِ النجوى وخابت كتبي
ويحَ قلبٍ ذاب من قلبٍ صلد
عشقتْ ثم سلتْ ثم قسَتْ
وجنتْ ما ليس يجنيه أحد
قسماً لولا أنيني ما اهتدى
لسريري طيفُها لما وَفَد
زار إلماماً فما ملْتُ إلى
ضَمِّهِ حتى تجافَى وابتعد
أتُرى طيفُ سليمَى مثلُها؟
كلّما رقَّ له القلبُ استبد
زاد تعذيبي كأنْ لم يكفِني
أنتِ والدهرُ وأجلافُ البلد
وطني، طوَّحتَ بي في مهجرٍ
يُرهقُ الحرَّ بأنواع النَّكَد
يخفض العالي من المال خلا
ويقيم المالُ فيه مَنْ قعد
ضاق بالنابغ صدراً قومُه
فعلى لقمتِهِ سُمُّ الحسد
ذنبُه الإفلاتُ من منَّتِهِم
عندما جدَّ وبالجدِّ وَجَد
شاعرٌ يُرجى ولا يرجو وفي
مسجد الأصنام يوماً ما سجد
عزَّ مَنْ يفهم شكوى روحِه
رُبَّ حشدٍ فيه بالروح انفرد
تتحدّاه البغاثُ استنسرتْ
كلما زاد أناةً وَجلَد
عاف وِرْدَ الماء فيه وَلَغَتْ
حشراتُ الأرضِ فاستسقى البَرَد
وتمنَّى الموتَ حتى لا يَرى
غارةَ الهِرِّ على ذيل الأسد!