يا حبيبي، يا ملتقى الشعر والفتْ
نةِ، يا غالبي على أمرِ نفسي
لم كانت ولا أسومُكَ لوْمًا
قسْمتي في هواكَ قسْمةَ وكْسِ
ألأني آثرْتُ في حُبّك القا
هرِ عزّي، ذهبْتَ تطلبُ نفسي؟
أم لأني ضحيةُ الألمِ الصَّا
متِ أطوي على المواجع حِسِّي؟
لم أهواكَ؟ أيها المفعمُ النَّفْ
س، شجونا، وحيْرةً وشقاءَ؟
ألحُسْنٍ؟ فالحسن في البدر والزَّهْ
رةِ أندى وقْعًا وأَضْفَى رُواءَ؟
أَمْ لمعنًى شفَّت مفاتنُكَ العَذْ
بةُ عنه، فكاد أن يتراءى؟
فالمعاني في الكون ليست على الإن
سانِ وقْفًا إلا هوًى وادّعاءَ!
والمعاني بوحيها، ومدى الوح
يِ عميقٌ، فيما يضمُّ الوجودُ
فتراها في قطعة الأرض والصَّخْ
رةِ، شعرًا لم يُبْلهِ الترديدُ
وتراها في نأْمةِ الطير للطَّيْ
رِ نشيدًا، لم يجْرِ فيه القصيدُ
وتراها في لفْتة الظبي للظَّبْ
يةِ سحرًا يُبْدِى، وحينا يُعيدُ
وتراها فيما ترى من جميلٍ
وقبيح، وهيِّنٍ، وعظيمِ
صورًا حيّةً، يناجيك منها
ألفُ وجهٍ من كالحٍ ووسيم
كلُّ وجهٍ دنيا بتاريخه النَّا
بضِ، تصْبَى بحادثٍ وقديمِ
وفضاءٍ لا يعرفُ الحدَّ والقيْ
دَ، ولا وغْرةَ الضَّنى والسُّهومِ
أم لحسنٍ، والحسنُ في البرعمِ المكْ
مومِ، لطفٌ يسري، وروحٌ يرفُّ
وهو في مولد الربيعِ حياةٌ
تتصبَّى، وفتنةٌ تستَخفُّ
وهو في لفتة الخريفِ وداعٌ
ودموعٌ ثرّارةٌ، ما تجفُّ
وهو في عُزلة الشتاء انقباضٌ
وصُموتٌ، يُعدي المشاعرَ، وحْفُ
وهو في وقْدةِ الظهيرةِ شكوى
مرهَقٍ ضاق بالظهيرةِ ذَرْعا
وهو في همسة الجداولِ لحنٌ
طاب في مسمع الطبيعة وقْعا
وهو في ملتقى الزهور حديثٌ
لم تُضيّعْ له النسائمُ رَجْعا
وهو في الأرض والسماءِ جمالٌ
يتفشَّى هوًى، وينسابُ لمْعا
ألهذا أهواكَ؟ يا مُثقلَ القلْ
بِ بهمٍّ من الشقاءِ طويلِ!
أم لذلٍّ أَذقْتني منه ما أَظْ
مأَ روحي على رِواء مَخيلي
أم لهذا الفتون يروى به غيْ
ريَ غُلاّ، وما يبلُّ غليلي؟
أم لجهلٍ عرفْتُ سيماءهُ في
كَ، وشأنٍ من الذكاءِ ضئيلِ؟
أتُراني أهواكَ حقًا، فما في
كَ لمثلي معنًى يُمازجُ حِسِّي؟
أم تُراني أهواكَ زورًا؟ فلِمْ يُصْ
بحُ قلبي على هواكَ ويُمسي؟
أم تراني أُحبُّ فيك وما أش
عرُ نفسي، وأنت عندي كنفسي؟
لأَنا منك في سبيل من الحيْ
رةِ، تُضْني عقلي، وتُثْقلُ حَدْسي!
لسْتَ تدري! نعمْ، ولا أنا أدري
لمَ تهفو إلى لقائكَ رُوحي؟
ولماذا أكونُ فيك، كما ترْ
سفُ في السجنِ فكرةُ المكبوحِ؟
ولماذا أكون إن غبْتَ في دُنْ
يا سئومٍ، جمِّ الكُروبِ، طليح؟
فإذا لُحْتَ أشَرقتْ، وتلَقّتْ
ني بوجهٍ طَلْقِ المُحيّا صبيحِ
لستُ أهواكَ لاهويتُكَ للحسْ
نِ، فهل فيك غير حُسنٍ علِيلِ؟
لا، ولا للشباب،والعُمُرِ الغضِّ
فعمرُ الشباب غيرُ طويلِ
لا، ولا للشعور أو لمحة الحُسْ
نِ، هما فيك مثل رسمٍ مُحيلِ
ومجالُ الحياة أَحفلُ بالحُسْْ
نِ، ولكنَّهُ شقاءُ العقولِ
أنتَ في فكرتي عَناءٌ وقيْدٌ
وبقلبي أسًى يَلِظُّ شعوري
يبسم الناسُ للحياة وأُغضي
دون غايات لهوهم كالأسيرِ
حال حسنُ الحياةِ والنورُ في عَيْ
ني، فنفسي تهيمُ في ديْجورِ
وأراني أستروحُ النَّسْمَةَ الحيْ
رَى، وجدواكَ لي كجدوى الهجيرِ
أيّ حاليْكَ أشتكي؟ أنت في القُرْ
بِ، وفي البعد مطمعٌ ممطولُ؟
وكم ارتحْتَ لي بجملةِ ما في
كَ، فلم يَرْوَ لي عليه غليلُ
أوراءَ السِّماتِ من حُسْنكَ الذَّا
بل وردٌ بما أُريدُ حفيلُ؟
لستُ أدري، أذاك من صُنْعِ وهمي
فيكَ، أم أنه جمالٌ أصيلُ؟
لتمنَّيْتُ أن أكونَ عبيرًا
ضلَّ مسراهُ، في جوانبِ صدرِكْ
أو دمًا شفَّ في عُروقكَ عن سرِّ
معانيكَ، في مفاتن سِحْرِكْ
أو خيالاً يجولُ في قلبكَ السَّا
ذجِ، قرّتْ فيه حقيقةُ أمرِكْ
أو كلاما يدور في فيكَ سَكْرا
نَ، أطافت به حلاوةُ ثغرِكْ!
لأرى ما الذي يُتيِّمني في
كَ، وألقاكَ خلف هذا الحجابِ
فأنا ظامئٌ إلى كُنْهِ ما في
كَ، وألقاكَ خلف هذا الحجابِ
لسْتُ بالمستريح فيكَ إلى الغا
يةِ لو نِلْتُ من مُنايَ طِلابي
ذاك ظنّي، لكنها ضلَّةُ الحبِّ
تُريني ضحْلَ الهوى كالعُبابِ!
فتكشّفْ عما انطويْتَ عليه
لأرى في هواكَ نهْجَ الصوابِ
فأنا منك في بلاءٍ أُعانيهِ
ولونٍ من المعيشةِ كابى
وجهادٍ ضاقت به النفسُ ذَرْعًا
وصعابٍ موصولةٍ بِصعابِ
أنتَ دانٍ، لكنَّ ما فيكَ ناءٍ
وسبيلُ الحياة دونَكَ نابي
أنصيبي من الهوى هذه الوقْ
دةُ، يشْقَى بها فؤادي اللهيفُ؟
أفأنْتَ الجاني عليَّ، وإلا
هو فكري الظامي، وحِسِّي العطوفُ؟
وهما فيك ثائرانِ عَفيفا
نِ، كما ثار في القيود الرَّسيفُ
طلبا فيه ما أضلاّهُ من حُلْ
مٍ، وما فيك ظاهرٌ مكشوفُ!
وكذا يطلبُ الخيالُ الأماني
وهو عن واقع الحياةِ عزوفُ
والهوى كالحياة قد يبلغُ الجا
زمُ منها، ما لا ينالُ العفيفُ
رُبّ نفسٍ نالت مناها على العيْ
شِ، وأُخرى نصيبها التسويفُ
وهي دنيا الشذوذ يرتفع الجا
هلُ فيها، ويُستذلَّ الحصيفُ!