تخطَّ إلى المحتوى

أين أنت حبيبتي لم ذهبت

شعر التفعيلة

٥٢ بيت

الرثاء

أَيْنَ أَنْتِ حَبِيبَتِي لِمَ ذَهَبْتِ؟

أَمِ الرُّوحُ اخْتَفَتْ...؟

أَمْ مَا زَالَتْ تَتَرَدَّدُ فِي زَوَايَا صَدْرِي؟

اِرْجِعِي وَاسْتَقِرِّي فِي قَلْبِي،

فَالِانْتِظَارُ بَدَأَ يُظَلِّلُ أَضْلُعِي.

فَعُودِي إِلَيَّ يَا مَنْ سَقَى رُوحِي وَلَيْلِي،

وَجَفَّفَ مَدْمَعِي...

الوَقْتُ يَمُرُّ كَخَيْطٍ فِي فُتْحَةِ إِبْرَةٍ،

ثُمَّ يَسْرِي بِالثِّيَابِ بِلَحَظَاتٍ كَأَعْصَابٍ أَذْرُعِي.

أَرْتَجِيكِ وَلَمْ أَرْجُ سِوَاكِ...

فَقُولِي:

كَيْفَ اللَّيْلُ يَمُرُّ دُونَ عِطْرِكِ الْمُرَصَّعِ؟

فَإِنِّي بِدُونِكِ غُرْبَةٌ تَتَشَعَّبُ فِي دَمِي،

وَأَحْلَامِي تَتَبَدَّدُ كَزُجَاجٍ تَكَسَّرَ فِي الظَّلَامِ.

أَيَامِي تَتَثَاقَلُ كَأَنَّهَا صَخْرَةٌ عَلَى صَدْرِي،

وَكُلَّمَا أَغْمَضْتُ عَيْنِي،

رَأَيْتُ طَيْفَكِ يَرْسُمُ طَرِيقَ النُّورِ فِي عَتْمَتِي.

أَرْفَعُ يَدَيَّ إِلَى السَّمَاءِ،

فَأَسْمَعُ صَدَى نِدَائِي يَرْتَدُّ إِلَيَّ،

كَأَنَّ الْكَوْنَ يَشْتَاقُكِ مَعِي،

وَالزَّمَانُ يَبْكِي فَرَاقَكِ

أُمِّي...

أَيْنَ أَنْتِ أُمِّي؟

لِمَ غَابَتْ تِلْكَ الْيَدُ الَّتِي كَانَتْ تَمْسَحُ تَعَبِي؟

أَمِ الرُّوحُ صَعِدَتْ،

وَتَرَكَتْنِي أَتَخَبَّطُ فِي دُجَى الأَيَّامِ؟

اِرْجِعِي يَا نَبْضَ الحَنَانِ،

فَالْبَيْتُ بَعْدَكِ بَارِدٌ،

وَصَوْتُكِ الَّذِي كَانَ يُدَفِّئُ اللَّيْلَ،

صَارَ صَدًى يَتَكَسَّرُ فِي جُدْرَانِ صَمْتِي.

كُلُّ مَكَانٍ يَذْكُرُكِ،

الْمَطْبَخُ، السَّاحَةُ، وَالْكُرْسِيُّ الْقَدِيمُ،

حَتَّى الْقِطَّةُ تَنْظُرُ إِلَيَّ كَأَنَّهَا تَسْأَلُ:

"مَتَى تَعُودُ الأُمُّ؟"

أُحَدِّثُ صُورَتَكِ كَأَنَّهَا تَرُدُّ،

وَأَبُوحُ لَهَا بِمَا فِي صَدْرِي،

فَتَصْمُتُ، كَأَنَّهَا تَسْمَعُ،

وَتَبْكِي مَعِي فِي هُدُوءٍ.

أُمِّي...

إِنَّ الشَّوْقَ لَكِ يَزْدَادُ كُلَّمَا أَطَلَّ الْفَجْرُ،

وَكُلَّمَا أَذَّنَ الْمَسَاءُ،

وَكُلَّمَا نَادَى قَلْبِي بِاسْمِكِ وَلَمْ تُجِيبِي.

أُمِّي...

إِنْ كُنْتِ فِي مَرْقَدٍ أَمْلَكُ الرَّجَاءَ،

أَدْعُو لَكِ بِكُلِّ نَبْضٍ فِي صَدْرِي:

اللَّهُمّ رَحْمَتَكِ تُظِلُّهَا،

وَنُورَكَ يَلُفُّهَا،

وَفِي جَنَّتِكَ تُسْكِنِي مَعَهَا.

فَإِنْ عُدْتِ يَوْمًا، أَمْلَأُ يَدَيَّ،

أَحْمِلُكِ فِي صَمْتِي وَصَدَاقَةِ أَحْلَامِي،

وَأُهْدِيكِ كُلَّ حَنَانٍ لَمْ تُعْطِيهِ لِي الدُّنْيَا،

فَتَبْقَيْ أُمِّي، قَلْبِي وَمَنْبَعَ نُورِي الأَزَلي...