تخطَّ إلى المحتوى

في المساء الحزين السعيد

غير معروف

٦٩ بيت

المتفرقات

في المساء الحزينِ السَّعيدِ

صَعدْتُ إلى الباصِ

في صُحبَتي خَيبةُ الانتظار وحُمَّى الزحامِ

وشيءٌ من المَلَلِ الاعتياديِّ

مِن كِبرياءِ المَقَاعِدِ

مِن عادَةِ الباص في الليلِ

يَنفِضُ تَخدِيرَةَ القاتِ في كلِّ مُنعطفٍ؛

مِن حديثِ السياسةِ

مِن سَائقِ الباصِ وهو يُردّدُ

باقيْ نَفَرْ بَسْ

مِن وَقفَةِ الباص فِي الجَولةِ الآنَ

لا شيءَ يؤنِسُني

فِي الطريقِ القَصِير الطويل إلى غُرفَتِي

شَاردَ الذهنِ،

كُنتُ أفكِّرُ

حَتى مَتَى سَيَمِيلُ بيَ الوقتُ؟

كَم لحظةٍ سَوفَ يَذرِفُهَا

بانتظارِ الزَّبُونِ الأَخِيرِ بلا فائدةْ؟

شاردَ الذهنِ ما زلتُ

بَاغَتَنِي عِطرُها، فَتَشَاغَلْتُ،

قلتُ: هُو الوَهْمُ رَاوَدَنِي

كَي يُخفِّفَ عَنِّيَ عِبءَ الطريقِ الطويلِ،

تَشَاغَلْتُ عنها وعنهُ

ولكنَّهُ أجَّجَ الشوقَ في داخِلي

حِين حَرَّكَنِي مِن جَنوبِ الظُّنونِ لِشرقِ الجُنونِ

تُرى.. عِطرُها ما يكونْ؟

تَلَفَّتُّ لَستُ الوَحيدَ الذي يَتَسَاءَلُ

أو يَتَمَايلُ حَيثُ يَميلُ بهِ العِطرُ

إنَّ المَقَاعِدَ – والناسَ

سَابحةٌ في الذهولْ.

الجَميعُ يَميل به العطرُ

إنْ مالَ رأسُ المليحةِ

ذاتِ الجمالِ وذاتِ الدلالْ.

تَنَفّسْتُ،

لَم أكتَرِثْ لِلمقاعدِ والناس،

قلتُ: هو العِطرُ نافذةٌ للقصيدةِ

بوَّابةٌ لِلخيال،

تَجَاهَلتُهُم، واقتربْتُ قليلاً

تَمنَّيتُ أنَّ الطريقَ يطولُ

وأنَّ المسافةَ تمضِي

إلى اللَّا نهاية في الوقتِ

ما ثمَّ من حاجةٍ للوصولْ.

تمنيتُ أنْ يستديرَ بنا الباصُ

مِن نقطةِ الصفرِ ثم يعودُ إليها

وأنَّ المساءَ كأحلامِنا لا يزولْ.

تمنيتُ أنْ أتَحَكَّمَ بالوقتِ

أنْ أجعلَ الليلَ هذا الذي نحنُ فيه

زماناً لكلِّ الزمانِ وكلِّ الفصولْ.

وحينَ شَعَرْتُ بأني اقتربتُ من العطرِ،

منها،

تجاوزتُ حَدّ الفُضُولْ.

قلتُ:

..ماذا أقول؟

المليحةُ سمراءُ والعطرُ أبيضْ

المليحةُ بيضاءُ والعطرُ أسمرْ

المليحةُ عطرٌ

وعطرُ المَليحةِ لونٌ

ولونُ المليحةِ عطرٌ

تَدَاخَلَتِ الكائناتُ بعَينيَّ

فاجَأنِي عِطرُها الباص،

عِنْدَكْ عَلى جَنْبْ

نَزَلَتْ..

نَزَلَ العِطرُ

وَحدِي بَقِيتُ على الباص

أدركتُ أني أضعْتُ الطريقَ

ورُحْتُ أفتِّشُ عن وِجهتي، وأقولْ:

ليس عطراً..

وليست هي امرأةً،

إنها...، إنها كائنٌ من بُخُورْ.