إِلَى المَوتِ عُوَّادِي ولِلدُّودِ أُسْلَمُ
فَهَلْ تَحْسَبُونِي فِي الشَّبيبَةِ أَسْلَمُ
ضَعُونِيَ حَذوَ القَبْرِ أَرْوِي بِعَبرَتي
ثَرَى القَاعِ ساعاتٍ لَعَلِّي أُرْحَمُ
أُودِّعُ خِلّاني وأَتْرُكُ بُغٔيَتِي
وأَنْزِلُ بَيتاً مَوقِعي فيهِ مُبْهَمُ
فَلا اليَأسُ حَوّامٌ عَلَيَّ ولاَ المُنَى
ولا أَمَلٌ إِلّا الْجَزاءُ المُقَسَّمُ
سَتَنبُتُ أَزْهارٌ عَلى صَفحَةِ الثَّرَى
وبَعضُ ثَراها وَيْكَ عَظمِيَ والدَّمُ
أَرُدُّكَ لِلدُّنيا شَبَابُكَ مَغْنَمٌ
فَهَل فِيهِ إِلّا مَا سَتَغْنَمُ تَغْرَمُ
وأَوَّلُ مَا يَحيَا مِنَ النَّفسِ إِن أَنا
رَجَعْتُ دُمُوعِي ثُمَّ سَمعيَ والفَمُ
وطَعمٌ عَلى طَعمِ التُّرابِ مَنِيَّةٌ
وكِلتاهُما يَومَ الصَّبابَةِ أَطْعَمُ
وما كانَ مَوتي مِن مُنايَ وإِنَّما
رَأَيتُ المُنَى في كَفِّ مَنْ يَتَبَرَّمُ
وَذَا اليَأسُ مِقْدامٌ عَلَيَّ كَأَنَّهُ
يَرى الصَّدرَ ساحاتٍ لِمَنْ هُوَ مُقْدِمُ
وأَكبَرُ هَمّي هَمُّ مَعرِفَتي بِهِ
وأَعظَمُ صَبري ما عَلَيهِ أُرَغَّمُ
وأَكثَرُ مَن أَلقى الخِساسُ وإِنَّني
لِغَيرِ مَخازيهِم هُناكَ مُقَوَّمُ
يُعَرِّفُني وَجهُ الحَسودِ لِجاهِلي
فَما وَحدَها الأَفواهُ مَن تَتَكَلَّمُ
يَراني عَظِيماٌ بِالذي هُو نَاقمٌ
عليه وأَنّي لو تَعَفَّفَ أَعْظَمُ
وما كانَ مَن أَخشى أَذاهُ وأَتَّقي
بِأَفخَمِ قَولٍ ما يَقولُ ويَزْعُمُ
فَلَم يوجِعني كَالمُجَرِّبِ ضارِبٌ
ولَم يُدْمِيَنِّي كَالذَّكيِّ مُعَلِّم ُ
وما قُتِلَ الشُّجعانَ إِلّا بِمِثلِهم
وَمَاعَقَلُوا يَومَ الطِّعانِ وأَقْحَمُوا
وقَد جَهِلَ القَومُ الجُدودُ حَياتَهُم
فَلَمّا اسْتَوَى عَقْلُ الخِصَامِ تَعَلَّمُوا
ومَا أَنا إِلّا أَذوقُ فَأَهتَدي
بِأَنَّ حَياتي بِالحَقِيقَة تَسْلَمُ
ومُعتَزِلٌ بِالعَقلِ أَلْقِحُ مَاطَرَا
بِما قَد مَضى يَسْري الجَوابُ المُطَهَّمُ
ومُتَّقِدٍ فَهماً أُحَكِّمُ فَهمَهُ
لِما بَينَنا حينَ المَلَامُةُ تَحْكُمُ
فَيا لَيتَ لَم أَفْهَم ولَو بِتُّ جاهِلاً
كَفَيتُ فُؤادي ضُرَّ ما عاشَ يَفْهَمُ
فَما أَشرَقَت شَمسُ الصَّباحِ عَلى امرِئٍ
كَنَفسي حَزينٌ فيهِ قَلبٌ مُتَيَّمُ
وما ناصَفَت إِلّا عَلى ذِكَرِ الهَوى
وَمَا أظْلَمَتْ إِلّا وَقَلْبِيَ أظْلمُ
فَإِما تُسَلّينِي فَبِالدَّمعِ سَلِّنِي
وبِالشِّعرِ قل إِنَّ المَقَالَةَ تَرْحَمُ
وما الشِّعرُ شُغلي لا ولا اللَّفظُ واهِبٌ
مَعانٍ ولَكِنَّ الضَّياعَ مُكَلِّمُ
وهَل تَرَكَ القَومُ الأَوائِلُ فَضْلَةً
تُثَبِّتُ أَسَاسًا لِمَنْ سَوْفَ يَنْظِمُ
فَوارِسُهُم كَرَّت عَلى الشِّعرِ كَرَّةً
فَساقَت مَعانِيَهُ فَمَا قُلتُ أَعْجَمُ
وأَبخَلُ مِنهُم عَصْرُنا يَجِدُ الفَتى
هُموماً ولَكِنْ لاَ يُطيقُ يُتَرْجِمُ
بِهِ كُلُّ ما كانَ الخَيالُ يَعُدُّهُ
مِنَ الجِنِّ أَلْوَاناً أَوِالظَّنُّ يَرْجُمُ
تَغَيَّرَتِ الدُّنيا إِشارَةَ تَركِها
لَنا بَينَ مَظلومٍ وآخَرَ يَظْلِمُ
وكُنَّا نَسيرُ اللَّيلَ والبَدرُ غائِبٌ
فَصِرنا نَهاراً بِالتَّعاقُبِ نُطْعَمُ
وصاحِبُ عِزٍّ يَومَ ذُلِّكَ عِزُّهُ
يُثَنَّى ويَومَ الشَّرِّ أَنْتَ مُقَدَّمُ
وبِالعَقلِ مَوصوفٌ وبِالحَزمِ مُوصَفٌ
وبِالبَذلِ مَعروفٌ وفِعْلُكَ أَجْذَمُ
وعَيني تَرى بَينَ الأَكابِرِ مَن أَنا
أَحَقُّ الوَرى مِنهُ بِما فيهِ يَنْعَمُ
عَلى أَسَفٍ أَستَقبِلُ الكُلَّ باسِماً
إِذا كانَتِ الأَيّامُ لا تَتَبَسَّمُ
فَيا وَيحَ قَومٍ قَد نَصَحتُ كَمُبْرِمٍ
فَأَغْرَيتَهُم نَقضَ الَّذي كُنتُ أُبْرِمُ
فَأَبنيهِمُ حَتّى أَقولَ بِهِم غَداً
أُهَدِّمُ أَعْدَائي وفي الغَدِ هُدِّمُوا
وما صَحَّ لِلميعادِ أَكثَرُ مِن فَمٍ
يُغَنّي وأَثوابٍ تَكَلَّمُ عَنْهُمُ
أَنلهو ورُكنُ القُدسِ في القُدسِ يَشتَكي
مِنَ الكُفرِ إِرهاقاً ويَلعَبُ مُسلِمُ
يُلاقي مِنَ الكُفّارِ ما لِشَديدِهِ
يَدُكُّ عَسيبٌ لَوعَةً والمُقَطَّمُ
أُكَذِّبُ عَيني ما تَراهُ ومَسْمَعي
يُعَظِّمُ وَصفاً والحَقائِقُ أَعْظَمُ
وما هانَ مَا أَصْغِيْ إِذا هانَ ذِكرُهُ
وفي بَعضِ ما يَجري اللِّسانُ تَأَلُّمُ
وما حَزَّنِي مَوتُ الشَّهيدِ وإِنَّهُ
لَأَسعَدُ مِنّي قائِلٌ بَعْدُ يَحْلُمُ
ولَكِن أَخافُ المَوتَ مَوتَ قَضيَّةٍ
تَشِبُّ بِأَيّامي إِذَا قِيلَ تَهْرَمُ
فَلا يَبْعُدِ الأَقصى فَكُلُّ مُؤَخَّرٍ
مِنَ الضُّرِّ مِن أَقصاهُ صارَ يُقَدَّمُ
أَهَذا الَّذي يَبلو الزَّمانُ وجَوفُهُ
صَلاةٌ وأَذكارٌ وعُكَّفُ قُوَّمُ؟
فَإِن قَستَ الدُّنْيَا عَلى قَسْوَةِ الصَّفا
فَما بَعْدَ هَذَا الحَالِ تُرحَمُ أَعْظُمُ
فَما شَأنُهُم لاكانَ شَأنٌ ولا هُمُ
ولاكانَتِ الأَيّامُ يَومَ تَحَكَّموا
فَلا تَتَّخِذهُم أَولِياءَ ومَن يَكُن
كَذَلِكَ مِن قَومي فَذَلِكَ مِنْهُمُ
فَذَلِكَ ما نالَ الشَّقِيُّ مُجَرَّداً
مِنَ الدِّينِ والرُّحْمَى عَلَيهِ تُحَرَّمُ
نُعَزِّيهِ في قَلبٍ وذَلِكَ مِلْكُهُ
فَماذا جَنى المُرْتَدُّ وهُوَ مُنَعَّمُ؟
فَجُرَّ هَلاكاً لِلهَلاكِ وَفي الوَغى
يَكونُ شِفاءُ النّاسِ مِن حَيثُ أُسْقِموا
سَقِمتُ وطِبْتُم بِالسَّقامِ وإِنَّني
سَرَجْتُ لِمَن مِنهُ الدَّواءُ المُكَرَّمُ
إِلَى قَلبِ مَن أَهوى أؤُمُّ بِأَحرُفٍ
إِذا قَصُرَت رِجلي وناءَ مِيَمَّمُ
يُكَلِّفُني عَزْمِي الوُصولَ ولَو عَلى
بَيانٍ وقَد أَلْضَى الغَرَامَ تَكَتُّمُ
وعَيْبِي أَهْوَى مَن يَعُزُّ وِصالُهُ
عَلَيَّ وما مِن شافِعٍ فيه يَخْدُمُ
ولَم أَكُ مَحروماً ولا عَنهُ نائِياً
إِذا الحُبُّ فِيهِ نَظرَةٌ وتَوَسُّمُ
ولَكِنَّما سَادَ العَنَاءُ بِمَا أَرَى
وقَلْبِي بِاللُّقيَا جَديرٌ ومُرْغَمُ
وذَاكَ عَظيمٌ في عَظيمٍ مُؤَمَّنٍ
فَمالي أَلْقى مِنهُ ما هُوَ أَعْظَمُ
أُحِبُّ الَّذي يَطْغَى عَلَى الضَّيمِ لا يَخَفْ
ظَلوماً ولا تَنهاهُ في ذاكَ لُوَّمُ
ويَشرَبُ صَفْوَ الماءِ والنّارُ تَلتَقي
عَلى الوِردِ شُهْباً والحَديدُ مُحَوِّمُ
أَرَى مَا سَيَأتينا أَشَدَّ مِنَ الَّذي
مَضى مَا إِذَا ظُنَّ الأُمورُ سَتُحْسَمُ
إِلَى أَن نَرى الإِقدامَ أَقوَمَ كاشِفٍ
هُموماً هُناكَ القَولُ أَقوى وأَقْوَمُ
وما طُهِّرَت لُبنانُ مِن أَنجَسِ العِدَى
سِوى بِدَمٍ يَجري وحَمراءَ تُضْرَمُ
بِعُصبَةِ مَجدٍ في الوَغى أَنَفوا الكَرَى
فَقَضّوا مَضاجِيعَ الخَنا وهيَ نُوَّمُ
أَشاوِسُ حِزبِ اللهِ شَقُّوا جُيُوبَها
وحَنُّوا إِلى الأَقصى وحَنَّ إِلَيهِمُ
أَذابوا شُكوكاً بِالحَديدِ فَكُلُّهُم
نُفوسٌ بِلا شَكٍّ فَما قَطُّ تَنْدَمُ
مَزارِعُ شِبْعا لا مَحالَةَ حُرَّةٌ
عَلى رَغمِ أَنفِ الكُفرِ لا بُدَّ تُقْحَمُ
فَقَد بَدَأوا صُنعَ النِّهايَةِ عِندَما
تَأَخَّرَ جيلٌ بِالفَراغِ مُهَوِّمُ
وفيهِم أَمينُ النّاسِ فَخرُ مَعارِكٍ
إِذا القَومُ فَخراً بِالجُدودِ تَرَنَّمُوا
ولا فَخرَ إِلّا لِلأَبِيِّ ولِلَّذي
يَرى نَفسَهُ بَعدَ المَعارِكِ تَسْأَمُ
فَيا مَن أَتاهُ الحَرفُ والحَرفُ عِندَهُ
شَفيعي؛ أَزِل هَمّي بِما فيكَ مُلْهَمُ
فَما لَكَ إِلّا ساعَةُ الدَّفعِ ساعَةً
يُلَقَّحُ إِسعادٌ وبِالفَتحِ يُتْئِمُ
فَلا تَترُكِ الإِمرارَ حَتّى تُمِرَّهُ
ولا تُسْلِمِ الأَعداءَ حَتّى يُسَلِّمُوا
ولَيسَ سِوى أَيّارَ مَورِدُ نَكبَةٍ
وطَعمُ الأَسى في شِدقِ (مُوفازَ) عَلْقَمُ
وعَقْلُكَ يَرنو لِلبَعيدِ وإِنَّما
يُقَرِّبُ مَا ذَاكَ البَعيدُ المُعَلَّمُ
وحِلفُكَ حَزمٌ لَو تُريدُ مُحالِفاً
وقَولُكَ فِعلٌ لَوْ يُحَاوِرُهُ فَمُ
لَكَ الفِعلُ إيجازٌ وفي النّاسِ وَصفُهُ
طَويلٌ وفي الأَعداءِ والكُفرِ أَسْهُمُ
ولَوكانَ ذاكَ الفِعلُ في القُدسِ نازِلاً
حَكَمْنا بِأَنَّ الحَرْبَ بِالفَتحِ تُخْتَمُ