يَا غَارِقاً فِي بَحْرِ أَوْصَافِ السَّنَا
أَنْصِتْ لِقَلْبٍ ذَابَ فِي حَنِينا
بَدْرٌ تَمَشَّى فِي الرُّبُوعِ فَأَذْهَلَتْ
أَنْوَارُهُ مَنْ كَانَ قَبْلُ مَكِينا
عَجِبَ الزَّمَانُ لِحُسْنِهَا وَجَلَالِهَا
فَغَدَا لِطُهْرِ مَلَامِحٍ مَرْهُونا
قَالُوا: "المَسَاءُ دَنَا"، فَقُلْتُ: "بِدَارِنَا"
فَجْرٌ بَدَا.. أَمْ هَلْ تَرَوْنَ جُنُونا؟
فَاسْتَغْرَبُوا لَفْظِي، وَبَانَ ذُهُولُهُمْ
لَمَّا رَأَوْا وَجْهَ المَلَاكِ بَيِينا
هِيَ آيَةُ الرَّحْمَنِ صِيغَتْ رِقَّةً
لِتُعَلِّمَ العُشَّاقَ كَيْفَ يَكُونا
لَوْ رَامَتِ الأَقْمَارُ لَثْمَ كُفُوفِهَا
لَرَأَيْتَ حَشْدَ النَّيِّرَاتِ صُفُونا
خَجِلَتْ غُصُونُ الرَّنْدِ مِنْ خَطَوَاتِهَا
لَمَّا مَشَتْ بَيْنَ الوَرَى تَتَنِينا
مَا الدُّرُّ؟ مَا اليَاقُوتُ فِي أَصْدَافِهِ؟
إِلَّا تُرَابٌ إِنْ بَدَتْ تَرْضِينا
نَظَرَتْ، فَقُلْتُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ" لَمْ يَزَلْ
سَهْمُ اللِّحَاظِ بِمَهْجَتِي مَسْكُونا
كَمْ قَدْ سَبَتْ أَرْوَاحَنَا بِجَمَالِهَا
مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ يَطْلُبُ التَّمْكِينا
يَا نَفْسُ كُفِّي عَنْ مَلَامِ مُتَيَّمٍ
بَاتَ القَصِيدُ بِحُسْنِهَا مَفْتُونا
إِنَّ الذِّي خَلَقَ الرَّزَانَةَ وَالحَيَا
جَعَلَ الحَنِينَ لِأَمْرِهِ تَدْشِينا
صُبَّتْ كُؤُوسُ الوَجْدِ مُرَّةَ مَذْهَبٍ
إِلَّا بِذِكْرِ حَبِيبَتِي تَحْلِينا
فَإِذَا رَمَقْتُ البَدْرَ فِي كَبِدِ السَّمَا
أَبْصَرْتُ طَيْفَ خَيَالِهَا مَقْرُونا
وَإِذَا دَجَى اللَّيْلُ البَهِيمُ بِثَوْبِهِ
كَانَتْ ضِيَاءً لِلْوَرَى وَيَقِينا
لَا تَسْأَلُوا مَنْ هَامَ فِيهَا صَبْوَةً
فَالحُبُّ أَعْظَمُ مِنْ لُغَى المَاضِينا
أَشْكُو إِلَى الرَّحْمَنِ ثِقْلَ جَرِيرَتِي
وَأَرُومُ عَفْواً يَمْحَقُ المَخْزُونا
يَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْ جَنَابِكَ ثُبْتَةً
كَيْ لَا أَكُونَ لِغَيِّنَا مَدْيُونا
ضَاقَ القَمِيصُ بِمَا جَنَتْ نَزَواتُنَا
وَالحُزْنُ أَصْبَحَ فِي الحَشَا مَدْفُونا
لَكِنَّ قَلْبِي حِينَ يَلْفِظُ اسْمَهَا
يَنْسَى الهُمُومَ وَيَطْرُدُ التَّخْمِينا
حَنِينُ رُوحِي، هَلْ لِوَصْلِكِ مَنْفَذٌ؟
يَمْحُو العَنَاءَ وَيُسْعِدُ المَحْزُونا
أَنْتِ المَلَاذُ لِكُلِّ نَفْسٍ أُتْعِبَتْ
بِصُرُوفِ دَهْرٍ لَا يَرِقُّ لِدِينا
كَمْ بَاتَ طَرْفِي فِي النُّجُومِ مُسَاهِراً
يَرْجُو لِقَاكِ لِيَفْرَحَ المَسْجُونا
لَوْ تَعْلَمُ الدُّنْيَا مَكَانَكِ عِنْدَنَا
لَأَقَامَتِ الأَعْيَادَ وَالتَّلْحِينا
سُبْحَانَ مَنْ أَوْدَعَ فِي طَبْعِكِ لُطْفَهُ
فَغَدَوْتِ لِلقَلْبِ الظَّمِي مَعِينا
يَا مَنْ بَرَاكِ اللَّهُ آيَةَ رَحْمَةٍ
قَدْ نِلْتِ حُسْناً فَاقَ حُسْنَ الصِّينا
أَنْتِ العَفَافُ إِذَا العَفَافُ تَجَسَّدَا
بَشَرِيَّةً تُحْيِي نُهَى الرَّاجِينا
مَا قِيلَ شِعْرٌ فِي سِوَاكِ مُؤَثِّراً
إِلَّا وَخَرَّ لِحُسْنِكِ مَهْمُونا
أَهْوَاكِ نَبْضاً فِي الفُؤَادِ مُخَلَّداً
يَبْنِي مِنَ الأَشْوَاقِ لِي تَمْكِينا
لَا تَحْسَبِي أَنَّ المَسَافَةَ حَائِلٌ
الرُّوحُ تَقْطَعُ دُونَكِ السِّكِّينا
يَا بَسْمَةً طَابَ الزَّمَانُ بِعِطْرِهَا
وَنَمَا لَهَا زَهْرُ الرُّبَى تَحْنِينا
لَوْ بَاعَدَتْنَا عَنْ خُطَاكِ نَوَائِبٌ
فَالذِّكْرُ يُنْطِقُ صَمْتَنَا مَكْنُونا
صِيغَتْ قَوَافِي هَذِهِ مِنْ لُؤْلُؤٍ
بِاسْمِ الَّتِي مَلَكَتْ خَيَالِي حِينا
كُلُّ المَعَانِي قَدْ جَثَتْ لِجَلَالِهَا
فَالنُّورُ حَقَّاً يَغْلِبُ التَّلْوِينا
يَا رَبِّ فَاحْفَظْ صُورَةً أَبْدَعْتَهَا
فِي نَاظِرِي، وَاحْمِ الحَنِينَ لَدِينا
وَاجْعَلْ خِتَامَ القَوْلِ نُوراً هَادِياً
لِقُلُوبِنَا، حَتَّى نَكُونَ أَمِينا
تَمَّتْ بَحَمْدِ اللَّهِ أَبْيَاتُ الصَّفَا
سَبْعُونَ بَيْتاً زِيدَ خَمْسَ سِنِينا
صَاغَ الفُؤَادُ حُرُوفَهَا فِي لَهْفَةٍ
كَيْمَا تَبُوحَ بِمَا سَكَنَّ جَنِينا
يَا نُورَ عَيْنِي وَاليَقِينَ إِذَا بَدَا
شَكٌّ يُؤَرِّقُ لَيْلَنَا المَغْبُونا
هَبْ لِي بِقُرْبِكَ جَنَّةً لَا تَنْتَهِي
تَسْقِي المَوَدَّةَ سَلْسَلًا وَمَعِينا
لَا ذَنْبَ لِي إِنْ هِمْتُ فِيكِ حَمَاهَةً
حُسْنُ المَلَاكِ يُحَيِّرُ الرَّائِينا
كَمْ عِشْتُ أَرْقُبُ أَنْ تَجُودِي بِلَحْظَةٍ
تَمْحُو عَنِ الصَّدْرِ الجَوَى الدَّفِينا
أَنْتِ الصَّبَاحُ إِذَا المَسَاءُ أَحَاطَنَا
أَنْتِ الشِّفَاءُ لِمَنْ غَدَا مَطْعُونا
سُبْحَانَ مَنْ أَعْطَاكَ سِرَّ جَمَالِهِ
لِتَظَلَّ فَخْراً يَمْلَأُ الوَادِينا
قَدْ طَابَ شِعْرِي حِينَ صَارَ نِشِيدُهُ
عَنْكِ، وَزَانَ الأَحْرُفَ التَّزْيِينا
يَا مَنْ غَدَوْتِ لِخَافِقِي أُسْطُورَةً
تُبْكِي المَدَادَ وَتُفْرِحُ القَالِينا
حُبِّي لَكِ اسْتَعْصَى عَلَى أَيِّ المَدَى
فَالرُّوحُ تَهْفُو لِلوِصَالِ سِنِينا
لَا تَقْطَعِي حَبْلَ الرَّجَاءِ فَإِنَّنِي
أَبْصَرْتُ فِيكِ المَنْزِلَ المَمْنُونا
كُلُّ الجِهَاتِ نَحْوَ وَجْهِكَ تَنْتَهِي
فَاسْتَقْبِلِي قَلْباً أَتَاكَ رَهِينا
يَا دُرَّةً فَوْقَ المَجَرَّةِ عَرْشُهَا
قَدْ أَسْجَدَتْ لِبَهَائِكِ التَّلْوِينا
قَلْبِي بِيَمِينِكَ قَدْ تَطَهَّرَ خَافِقاً
وَغَدَا بِطُهْرِكَ فِي الهَوَى مَسْكُونا
يَا مَنْ سَمَوْتِ عَنِ الظُّنُونِ بِحِكْمَةٍ
وَتَرَكْتِ جُهَّالَ العُقُولِ ظَنِينا
طُوبَى لِقَلْبٍ كُنْتِ فِيهِ مَلِيكَةً
تُعْطِيهِ مِنْ خَمْرِ الهَوَى تَكْرِينا
نَادَيْتُ بِاسْمِكَ فِي الفَلَاةِ فَأَوْرَقَتْ
أَشْجَارُهَا وَتَرَنَّمَتْ تَلْحِينا
سُبْحَانَ مَنْ أَهْدَاكِ حُسْناً بَاهِراً
وَسَقَاكِ مِنْ نُبْلِ الأُلَى تَمْكِينا
أَشْدُو بِذِكْرِكِ فِي القَصِيدِ مُفَاخِراً
أَنِّي اصْطَفَيْتُكَ لِلفُؤَادِ خَدِينا
لَا تَعْذُلُونِي إِنْ بَكَيْتُ لِحُسْنِهَا
فَالدَّمْعُ يَغْسِلُ نَبْضَنَا التَّعْبِينا
حَنِينُ يَا عِطْرَ الحَيَاةِ وَرَوْحَهَا
أَنْتِ النَّقَاءُ لِمَنْ غَدَا مَفْتُونا
قَدْ عِشْتُ أَرْسُمُ فِيكِ كُلَّ جَمِيلَةٍ
حَتَّى بَلَغْتُ مِنَ الرُّؤَى المَدْفُونا
سَأَظَلُّ أَقْرَأُ فِي مَلَامِحِكِ الهُدَى
وَأَظَلُّ فِي حَرَمِ الوِصَالِ سَجِينا
يَا رَبِّ ثَبِّتْ حُبَّنَا فِي طَاعَةٍ
تَهْدِي القُلُوبَ وَتَرْحَمُ الدَّاعِينا
حَاشَاكَ تَخْذُلُ مَنْ دَعَاكَ بِصِدْقِهِ
أَوْ تَتْرُكَ القَلْبَ الشَّجِيَّ حَزِينا
فَاحْفَظْ لَنَا هَذَا الجَمَالَ وَنُورَهُ
لِيَظَلَّ نِبْرَاساً لَنَا وَيَقِينا
هِيَ دَعْوَةٌ فِي جَوْفِ لَيْلٍ أُرْسِلَتْ
تَرْجُو القَبُولَ وَتَسْأَلُ التَّمْكِينا
حَنِينُ كُونِي لِلمَسِيرِ مَنَارَةً
فَاللَّيْلُ مِنْ بَعْدِ اللِّقَا مَأْمُونا
صَلَّى الإِلَهُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ
مَا نَاحَ طَيْرٌ أَوْ شَدَا الشَّادِينا
وَعَلَيْكِ يَا بَدْرَ التَّمَامِ سَلَامُنَا
مَا مَرَّ ذِكْرُكِ يَبْعَثُ التَّحْنِينا
تَمَّتْ تَمَاماً كَالهِلَالِ إِذَا اسْتَوَى
بَدْراً يُنِيرُ العَالَمَ المَمْنُونا
نَظَمْتُهَا وَالغَيْثُ يَهْمِي رِقَّةً
كَيْ تَسْتَرِيحَ مَوَاجِعُ البَاكِينا
فَاحْفَظْ حَنِيناً لَا تُشَبُّ حَرَائِقٌ
فِي قَلْبِ مَنْ بَاتَ الهَوَى مَسْجُونا
أَنْتِ السَّلَامُ لِخَافِقِي وَوِئَامُهُ
أَنْتِ الجَمَالُ لِمَنْ غَدَا مَفْتُونا
خَتَمْتُهَا بِالذِّكْرِ حِينَ وَصَلْتُهَا
لِتَكُونَ ذُخْراً يَسْتَحِقُّ لِدِينا
مِائَةٌ وَخَمْسُونَ اشْتِيَاقاً سُطِّرَتْ
بَلْ أَلْفُ نَبْضٍ صَارَ مَرْهُونا
حَنِينُ حَسْبِي أَنَّ رُوحَكِ هَاهُنَا
تَمَّتْ.. وَعَزَّ القَوْلُ بَعْدُ ثَبِينا