تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

٦٦ بيت

الحماسة

آسف يا أمي

فأنا بخير

والمدينة محترقة وبائسة

كل شيء بخير يا أمي،

حتى الجدران صارت أكثر طيبة من البشر،

تحضن أشلاءنا بصبرٍ عجيب.

آسف يا أمي

فأنا بخير،

أضحك حين يسقط بيتنا

كأني أشاهد فيلمًا مملًا

أعرف نهايته منذ الأزل.

آسف يا أمي

فأنا بخير،

أمشي على الركام كما لو كان سجادة حمراء،

كل حجر يصفق لي

وكل طائرة ترسم في السماء

كلمة "وداعًا".

آسف يا أمي

فأنا بخير،

لم أعد جائعًا…

القذيفة أطعمتني رمادًا،

الماء صار دخانًا،

والخبز أصبح يابسًا أكثر من قلوب العالم.

آسف يا أمي

فأنا بخير،

حتى موتنا مرتبٌ بإتقان،

أسماءنا تُذاع على الهواء

كأنها نتائج امتحانات،

مبروك للناجين… درجاتهم صفر.

آسف يا أمي

فأنا بخير،

أصبحتُ خبيرًا في قراءة الوجوه المحترقة،

أميّز من بينهم من كان يضحك قبل موته

ومن كان يبكي.

آسف يا أمي

فأنا بخير،

اليوم دفنا جارنا

فنهضت جدتي من تحت التراب

تصفق وتضحك وتقول: "المقبرة ازدحمت،

أهلاً بكم!".

آسف يا أمي

فأنا بخير،

رسمتُ وردة على جدارٍ مهدوم

فأكلتها نار قادمة،

ضحكتُ وقلت: "حتى الورد هنا شهيد".

آسف يا أمي

فأنا بخير،

لم أعد أخاف من شيء،

حتى الموت صار جاري،

يزورني كل مساء،

نجلس سويًا نتبادل النكات السوداء

عن قسوة الحياة.

آسف يا أمي

فأنا بخير،

أصدقائي صاروا صورًا على هواتف

وأنا آخر من تبقى ليحمل الهاتف.

آسف يا أمي

فأنا بخير،

وأعلم أنك لست آسفة…

فأنت في الجنان خالدة،

تنتظرينني هناك،

وأنا يا أمي…

ذاهبٌ إليك

شهيدًا…

فكل شيء هنا بخير،

إلا الحياة.