أَشْرِقْ فَهَا الدُّنْيَا تَفِيضُ سَنَاهَا
وَالْفَجْرُ يَكْتُبُ فِي الْقُلُوبِ هُدَاهَا
وَالْمَجْدُ يَحْكِي قِصَّةً مَهِيبَةً
نَسَجَ الزَّمَانُ فُصُولَهَا وَحَدَاهَا
هَذِي الْقَصَائِدُ لَا تُبَاعُ وَلَا تُرَى
إِلَّا لِمَنْ عَرَفَ الْجَمَالَ رُؤَاهَا
فَاسْكُنْ عَلَى قِمَمِ الْبَيَانِ مُحَلِّقًا
نَحْوَ الْعُلَا تَتَسَامَقُ الْأَفْوَاهَا
وَإِذَا سَأَلْتَ الشِّعْرَ يَوْمًا عَنْهُمُ
قَالَتْ رُبُوعُ الْحُسْنِ: هَذِي رُبَّاهَا
بَلِّغُوهَا بِأَنَّ رُوحِي بِيَدَيْهَا
لَمْ يَجِدْ مَأْوًى غَيْرَ سِحْرِ مُنَاهَا
وَاكْتُبُوا فِي كِتَابِ دَهْرِي غَرَامِي
عَلَّ قَلْبِي يَحْيَا إِذَا مَا رَوَاهَا
وَأَسْقِطُوا فَوْقَ لَحْدِ صَدْرِي وُرُودًا
إِنْ مَشَتْ فَوْقَهُ خُطَاهَا ضِيَاهَا
لَا يَرُوعُ الْقِيَامَةَ قَلْبِي وَلَكِنْ
رَوْعَتِي أَنْ يَفُوتَ وَجْهِي نَدَاهَا
لَرَضِيتُ الْجَحِيمَ حُبًّا وَعِشْقًا
إِنْ يَكُنْ فِي لَظَاهُ قُرْبِي لِقَاهَا
لَسَجَدْتُ الْخُضُوعَ دَمْعًا وَنَوْحًا
عَلَّهُ بِالْهَوَى يُجِيبُ صَدَاهَا
وَغَمَرْتُ الْوُجُودَ أَنْفَاسَ شَوْقِي
عَلَّ نَجْوَى الْمَلَائِكِ تَهْدِي خُطَاهَا
وَاسْتَبَاحَتْ قُلُوبَهُمْ وَمَضَاتُهَا
مِنْ عِجَابِهَا فَأَوْرَثَتْهُمْ غِنَاهَا
قُلْتُ: يَا رَبِّ، كَيْفَ يُعَذَّبُ قَلْبٌ
أَنْتَ قَدْ أَوْقَدَ الْجَمَالَ جَلَاهَا
أَنْتَ أَلْهَمْتَ ثَغْرَهَا كُلَّ لَحْنٍ
فَتَغَنَّى بِهِ الزَّمَانُ وَغَنَّاهَا
أَنْتَ عَطَّرْتَ قُبَلَهَا، فَتَسَاقَى
شَهْدَهَا الْعَاشِقُونَ سِحْرَ رِمْشَاهَا
أَنْتَ سَلَّحْتَ بِالْعُيُونِ سِهَامًا
كُلُّ قَلْبٍ أَصَابَ سَهْمًا رَمَاهَا
رَحْمَةَ رَبٍّ، فَالْعُذُوبَةُ ذَنْبٌ
لَمْ أَجِدْ فِي حَيَاتِي أَحْلَى سِوَاهَا
دَعْ فُؤَادِي يَظَلُّ عَبْدًا رَهِينًا
فِي خَيَالٍ يَعِيشُ دَوْمًا فِدَاهَا
كُلَّمَا أَقْبَلَ الصَّبَاحُ تَمَنَّى
أَنْ يَرَى فِي ابْتِسَامِ خَدِّكِ ضُحَاهَا
وَإِذَا جَنَّنِي الْمَسَاءُ تَذَكَّرْتُ
مُقْلَتَيْكِ، فَذَابَ قَلْبِي وَلْعَّاهَا
يَا مَلَاكًا هَبَطْتِ تُبْهِرُ عُمْرِي
كَيْفَ لِي أَنْ أُطِيقَ بَعْدِي حَيَاهَا؟
أَنْتِ فَرْدَوْسُ مُهْجَتِي، وَرَبِيعٌ
غَابَ عَنِّي، فَهَلْ يُرَدُّ صِبَاهَا؟
أَنْتِ بَوْحُ الْقَصِيدِ، أَنْتِ نَشِيدِي
أَنْتِ مَنْ قَادَ مُهْجَتِي فِي خُطَاهَا
كُلَّمَا غِبْتِ عَنْ فُؤَادِي قَلِيلًا
أَظْلَمَ الْعُمْرُ، وَانْطَفَأَتْ فِي سَمَاهَا
قَدْ شَرِبْتُ الْهَوَى بِعُمْقِ عُيُونِي
لَمْ أَجِدْ فِي الْوُجُودِ كَأْسًا سِوَاهَا
فَاسْقِنِي الْآنَ مِنْ يَدَيْكِ رَحِيقًا
يَبْعَثُ الرُّوحَ مِنْ سُبَاتٍ نَعَاهَا
لَوْ سَأَلْتُمْ فُؤَادِي عَنْ سِرِّ عِشْقِي
لَابْتَسَمْ وَقَالَ: إِنِّي لَهاهَا
يَا سُلَافَ الْحَيَاةِ، يَا أُمْنِيَّاتٍ
كَمْ رَجَوْتُ الْخُلُودَ فِي ظِلِّ دَاهَا
إِنْ بَكَتْ مُهْجَتِي، فَدَمْعِي قَصِيدٌ
يَتَغَنَّى بِاسْمِكِ فِي عُلَاهَا
وَإِذَا مُتُّ، فَاجْعَلُوا فِي ضَرِيحِي
هَمْسَ حُبٍّ يُرَدِّدُ اسْمَ بُكَاهَا
إِنْ نَظَرْتُ السَّمَاءَ لَاحَتْ خَيَالَاتٌ
فِي نُجُومٍ تُضِيءُ وَجْهًا بَدَاهَا
كُلُّ نَجْمٍ يُنَاجِي بَدْرًا جَمِيلًا
ظَنَّ أَنَّ الضِّيَاءَ بَعْضُ سَنَاهَا
أَشْرَقَتْ فِي الْوُجُودِ أَنْفَاسُ حُسْنٍ
كَسَرَتْ قَلْبَ عَاشِقٍ مَا نَسَاهَا
مَنْ يَمُتْ فِي هَوَاكِ يَحْيَا عَظِيمًا
قَدْ سَمَتْ رُوحُهُ، وَصَارَ قُرْبَّاهَا
إِنْ يَكُنْ لِلْخُلُودِ سِرٌّ عَجِيبٌ
فَالْهَوَى سِرُّهُ، وَأَنْتِ دُهَاهَا
لَيْسَ فِي الْحُسْنِ غَيْرُكِ الْيَوْمَ فَخْرٌ
كُلُّ زَهْرٍ ذَوَى، وَبَاقٍ رُبَاهَا
إِنْ بَكَتْ مُهْجَتِي، فَدَمْعِي شِهَادٌ
أَنَّ حُبِّي غَدَا صَلَاةً دُعَاهَا
يَا إِلَهِي، أَجِرْ فُؤَادِي بِظِلٍّ
إِنْ دَهَتْنِي الْهُمُومُ فَإِنِّي صِبَاهَا
كُلُّ مَا فِي الْفُؤَادِ أَسْرَى غَرَامًا
لَمْ يَجِدْ مَهْرَبًا، فَذَابَ شَذَاهَا
كَمْ رَجَوْتُ الْحَيَاةَ قُرْبَكِ يَوْمًا
غَيْرَ أَنِّي غَدَوْتُ عَبْدًا عِشْقَّاهَا
يَا سَنَاءً فِي الْمُقْلَتَيْنِ تَجَلَّى
كَيْفَ لِلْقَلْبِ أَنْ يَفِرَّ حَلَاهَا؟
كُلُّ لَحْنٍ يُغَنِّي الْعِشْقُ فِيهِ
كُنْتِ أَنْتِ الْبِدَايَةَ مَعْ رِقَّاهَا
لَيْتَنِي فِي يَدَيْكِ عُمْرًا جَدِيدًا
أَسْتَعِيدُ الَّذِي مَضَى فِي حِماهَا
أَوْ أَكُونَ التُّرَابَ تَحْتَ خُطَاهَا
كَيْ أَرَاهَا، وَأَلْمَسَ الْأَرْضَ جَاهَا
كَمْ شَهِيدٍ غَدَا فُؤَادًا قَتِيلًا
سَلَّهُ الْحُسْنُ سَيْفَهَا، فَغَزَاهَا
إِنَّنِي مُذْ عَرَفْتُ طَيْفَكِ صِرْتُ
لَا أَرَى فِي الْوُجُودِ إِلَّا رُؤَاهَا
يَا نَعِيمَ الْعُيُونِ، أَنْتِ رَجَائِي
كُلُّ حُلْمٍ يُنَادِ قَلْبِي رَجَاهَا
كَيْفَ أَبْقَى بِلَا هَوَاكِ قَلِيلًا
لَوْ تَخَلَّى الْفُؤَادُ مَاتَ صَفَاهَا
كُلَّمَا زِدْتُ فِي هَوَاكِ اشْتِعَالًا
زَادَ دَمْعِي وَقُلْتُ: نَفْسِي هَوَّاهَا
لَوْ رَضِيتِ الْغَرَامَ، عِشْتُ كَرِيمًا
أَوْ أَبَيْتِ، فَفِي الْمَمَاتِ رِضَاهَا
قَدْ أُغْلِقَتْ صَفَحَاتُهَا مَلْحُومَةً
بِالْعِطْرِ يَحْيَا فِي السُّطُورِ جَنَاهَا
وَالنَّجْمُ يَخْطُو فَوْقَ حَرْفٍ لَامِعٍ
كَيْ يَسْتَضِيءَ الْعَصْرُ فِي مَسْرَاهَا
فَاخْشَعْ أَمَامَ بُيُوتِهَا مُتَأَمِّلًا
تَلْقَ السَّمَاوَاتِ الْعِظَامَ دُنَاهَا
مَا الشِّعْرُ إِلَّا صَرْحُ رُوحٍ شَامِخٍ
قَدْ شَيَّدَتْهُ قُلُوبُنَا وَمُنَاهَا
فَاحْفَظْهُ دِيوَانًا يُجَالِسُ مَجْدَهُ
وَيُصَافِحُ الْأَجْيَالَ بَعْدَ فَنَاهَا