وَأَنَا قَدْ بَكَيْتُ دُمُوعَ السُّهَادِ
إِذَا مَا تَخَفَّى الْحَبِيبُ وَسَلَّمُ
فَأَنَا فِي هَوَاهُ شَهِيدُ الْغَرَامِ
إِذَا مَا تَوَارَى جَرَى بِيَ الْعَدَمُ
فَمَرُّ الْهَوَى فِي فُؤَادِي أَشْهَى
مِنَ الْعَذْبِ لَوْ مَسَّنِي مِنْهُ نَسَمُ
وَكُلَاهُمَا فِي شَرَايِينِيَ الْخَمْرُ
إِذَا غَابَ عَنْهُ الْهَنَاءُ وَالْبَسَمُ
فَتَعَالَ نَسْقِ الْحُرُوفَ سُهَادًا
وَنَنْسِجُ مِنْ وَجْدِنَا الْأَنْجُمُ
وَلَا تَسْأَلِ الدَّهْرَ عَنْ عَاشِقٍ
فَفِي وَجْدِهِ الْبَحْرُ يُسْتَسْلَمُ
أُحِبُّكَ حَتَّى تُفِيقَ الْجِبَالُ
وَيَخْضَعَ فِي غَيْبَتِي الْقَسَمُ
وَيَشْهَدَ نَجْمُ الدُّجَى لِلسَّمَاءِ
بِأَنِّي غَدَوْتُ بِكَ أَحْلُمُ
إِذَا مَا نَظَرْتُ لِوَجْهِ السُّرَى
تَخَيَّلْتُ ثَغْرَكَ، فَابْتَسَمُ
وَإِنْ زَفَّ رِيحُ الصَّبَاحِ النَّدَى
تَوَهَّمْتُ عِطْرَكَ الْأَكْرَمُ
فَهَذِي الْحَيَاةُ بِغَيْرِ هَوَاكَ
كَنَهْرٍ تَنَاثَرَ بالَرَّوضِ يَنْعَدِمُ
وَإِنِّي رَضِيتُ بِعَيْشِ الْجُنُونِ
إِذَا كُنْتَ فِيهِ أَنَا الْمُلْهَمُ
أُحِبُّكَ صَمْتًا، أُحِبُّكَ نُطْقًا
أُحِبُّكَ صَحْوًا وَمَتَى أَحْلُمُ
وَإِنِّي وَإِنْ زَلْزَلَتْنِي الدُّجَى
بِقَلْبِكَ وَحْدَكَ أَعْتَصِمُ
فَيَا مَنْ سَقَانِي صَدِيدَ الْهَوَى
هَنِيئًا لِقَلْبِيَ مَا يَغْتَنِمُ
وَلَوْ قِيلَ: مَا الْعِشْقُ؟ قُلْتُ اسْمُهُ
وَمَا قَبْلَهُ كُلُّهُ مُجْمَلُ
تَذَكَّرْتُ يَوْمًا خَرِيفَ اللِّقَاءِ
وَكَيْفَ النَّدَى كَانَ يَبْتَسِمُ
وَكَانَتْ يَدَاكَ كَطِفْلٍ صَغِيرٍ
يُلَامِسُ رُوحِي وَيَحْتَشِمُ
وَكُنْتَ تُنَادِي اسْمِي كَالدُّعَاءِ
فَأَحْيَا، كَأَنِّيَ لَمْ أَعْدَمُ
فَهَاتِفُ صَوْتِكَ بَيْنَ الضُّلُوعِ
يُدَوِّي كَأُغْنِيَةٍ تَنْتَمِي لَهُّمُ
أَيَا وَيْحَ ذِكْرَى جَبِينِكَ إِنْ
هَفَتْ نَحْوَ فِكْرِي وَلَمْ تَرْحَمُ
تُنَادِينِيَ الْآنَ: "هَبْ لِيَ الْبَقَاءَ"
وَلَكِنْ غَرَبَتْ شَمْسُنَا الظُّلَمُ
أَأَنْسَى؟ وَكَيْفَ وَمِنْهُ الْأَسَى
إِذَا مَرَّ بِالرُّوحِ يَنْتَقِمُ
تَمُرُّ اللَّيَالِي، وَذِكْرَاكَ فِي
شُعُورِي كَأَنَّ الزَّمَانَ خَصَمُ
وَأَشْعُرُ أَنَّكَ خَلْفَ الضُّلُوعِ
تُقَاسِمُ قَلْبِي وَلَا تَعْلَمُ
فَكَمْ قُلْتُ: "إِنِّي نَسِيتُ الْهَوَى"
فَأَكْذِبُ وَالدَّمْعُ يَحْتَكِمُ
وَكَمْ قُلْتُ: "مَضَتْ كُلُّ أَيَّامِنَا"
فَأَرْجِعُ وَالْحُزْنُ يَحْتَرِمُ
فَلَا الذِّكْرُ يُطْفِئُ نَارَ الْجَوَى
وَلَا الْوَقْتُ بِالنَّأْيِ يَنْتَقِمُ
وَإِنْ جِئْتُ أُطْفِئُ شَوْقِي بِنُصْحٍ
أُصِبْتُ بِلَوْعَةِ مَنْ يَنْهَزِمُ
فَدَعْنِي أُعَاتِبُ ذِكْرَى الْهَوَى
وَأَرْثِي الزَّمَانَ إِذَا يُظْلِمُ
وَأَكْتُبُ فِي آخِرِ السَّطْرِ: آهٍ
عَلَى قَلْبٍ عَاشَ وَلَمْ يَسْلَمُ