... وها أنّ جزء من القلب يمضي
وتمضي وإيّاه أحلام عمر كثيره
وداليةً تتساقط أوراقها في متاه الزّمان
تهبّ علينا رياح الألم
وتُغدِق من لفحات أساها علينا
فندخل موسم حزن جديد
لنحصد غصّةَ عمر تزيّى بثوب المراره.
بلا أمل في غد سوف يأتي
نواصل معترك العمر مشيا على حسك الانهيار
وقد أثقلتنا هموم الحياة
وخفّتْ حقائب أفراحنا.
يحاصرنا الحزن من كلّ باب
وتغرقنا موجة الانكسار العنيد
وتحملنا في مداها المديد
فكيف نسمّي الحياة حياة
وقد رحت عنّا بعيدا بعيد
تركت القلوب يسيّجها ألم حارق..
ودموع تنادي دموعا
ودربا خلا من مرور الفرح
وساقية يتجمّد مجرى السّعادة فيها
نرى الأمس ظلاّ بعيدا ينادي علينا
ولا نستطيع الرّجوع
إلى ضفّة فيه تذْخر أحلى ليالي العمر
ويعتصر القلب شوقا إليه
ولسنا نرى منه أكثر ممّا يراه سجين
يطلّ على عالم مُبْهَمٍ من كُوى سجنه
فمن يحرس الأمس في أعماقنا من رياح الضّياع
ويحمي لنا ذكريات هي الزّاد في عالم لم يعدْ يُحتمل
لكي نستطيع احتمال برودة حاضرنا
وجوع إلى كلّ ما هو حلو لدينا
ومن يحرس الدّفء فينا
ويربط أيّامنا بضياء الفرح
لقد ذهب الأمس يا خالتي ذهب الأمس..
يحمل رائحة الخبز والقهوة المنزليّة..
والملح في كسرة من رغيف
ودفء المواقد في ليل قرّ طويل
وظلّ الكروم إذا اتّقدت جذوة الحرّ..
في ذات صيف عنيف
وأصوات حصّادين تحدو أناملَهم رغبةُ الانتصار
على ضعفهم حين يشتدّ قيظ النّهار
فتعلو أغاريدهم في انتشاء
وهو يسمعون المناجلْ
توقّع ألحانها السّاحره
على وتر من كمان السّنابلْ
لقد ذهب الأمس يحتمل الأمسيات الجميله
وما يسعد القلب في بحر وحشته الغائمه
ولم يبق إلاّ الزبد
ودمعا على نعمة لن تعود
وجرحا نما في شروخ الكبد
تصدّع من حولي الكون وانثال سيلَ شظايا عليّ
لقد ذهب الأمس يا خالتي حاملا ذلك الطّفل في سيل أنقاضه المرتحلْ
ولم يبق منيّ سوى بعض طفل وشبه رجل
وما عاد في وسعنا أن نتباطأ حينا
ونوقف مزولة العمر كي لا يمر
وريح الرّحيل الّتي لم تزل تتآمر في كلّ حين علينا
وتسرق منّا الّذين نحب
ولا أن نناور بضع ثوان
نرسّخ فيها على سور أعمارنا..
ما يقيم به أَوَدَ القلب في لحظة حانيه
ويسري بنا في مدار السّرور
ولكن تكسّر جسر العبور إلى الضفّة الثّانيه
وامسيتُ وحدي
أسيرَ الزّمان يطوّح بي حيث شاء
ومرّت مراكب تلو المراكب
وما عدت أقدر أن أعتلي صهوة الرّيح..
كي أتفادى الفراق المرير
لقد ذهب الأمس يا خالتي
ولم تبق إلاّ ثيابك أعبر من عطرها
إلى كلّ ما ضاع منّي من اللّحظات الهنيئه
وأقتنص الفرح الغضّ من لونها القزحيّ
لعلّي ألوّن أيّاميَ الحالكات بلون الأمل
فعيشي إذنْ فيّ زيتونة لا تموت
ولحنا إذا عنّ في خاطري..
دانَ بالابتسام لقلبيَ هذا الوجود
وعلّمني الصّبر حتّى لقاء جديد
لتجمعنا شرفة في صروح الأزل