بغداد يا طفلة الشمع
المختلسة بالموت المعلب
خصور الصبايا
وخدوش الأغنيات
التي لا يستطيع مناداتها أحد
بإسمها الصريح
دون أن يترك على غينها قبلة
فأي اسم يلائم أبجديتها المذعورة؟
وأي محبرة تكفي لجعل جسدها أزرق؟
لأنها المدينة الأولى
التي تشعر بالوحدة
كانت تفتتح شهية الماء بالنوارس
المعلقة على جسر الجمهورية
وتمهل الشمس مسافة تلويحتين
لتنقش قبلًا طينية موزونة
على خديّ شهرزاد، من فم شهريار
كانت تهرول مع الريح
فوق سرة دجلة المبجلة
برائحة الطلع تحت أظافر الاعذاق
كلما شق نهديها شغب الأنوثة
لتفترش الجروف المهجورة
بذاكرة الصلصال
لا تخافي يا جميلتي
من هوس المنافي بأطراف ثوبك
يعرفك السياب وهو يخجل من قصائد حبه
تعرفك الأزقة التي تتمطى بالورد الأحمر
تعرفك الكتب التي تطفو على ارصفة المتنبي
يعرفك الأنبياء الذين منحهم الله شرف أن يكونوا عراقيين
تعرفك جميع الشمعدانات في قصص ألف ليلة وليلة
يعرفك السيف الذي يشبه حاجب فتاة اعرفها
يعرفك الرمح الذي يشبه خصر فتاة اعرفها
يعرفك القرطاس الذي يشبه خد فتاة اعرفها
يعرفك القلم الذي يشبه أصابع فتاة اعرفها
يا عروس الشعر
المعتقة في ست أيام تقريبًا
توأم السماوات الأولى
إن كسر التوجس
لمسة الليل على خصرك
لا تتواضعي لأنك مدينة متعبة
بل تكبري بكل ما تملكين
من فسح معللة بالكبرياء
كنت ولا زلت أميرة المدن
التي تصلب الأرض على قدميها
حين تسير بكامل أبديتها
فتتبعها الشحارير في تموز
وتقبلها الرياحين في الشتاء
بغداد الحزينة الآن، كطفلة يتيمة
تبيع المناديل المعطرة بلعنات الله
في باب المعظم
حين تقرر البكاء على كتف الرب
ترجم أضرحة الأولياء بالعتمة
وحين تشعر بالنعاس
تدثر جسدها بالكنائس المثقوبة بالرصاص
هل تعرفينني؟
أنا القروي الذي يجمع أعضائك
من أضلاع الشناشيل
أتيتكِ فلم أجدكِ
لأنك قد تغيرتِ
فلا شعراء بين الرصافة والجسر
حتى يباغتوا عيون المها بالمغازلات
ولم يكن هناك جندي مجهول في نصب الشهيد
بتنا نعرف شهدائنا العظام جميعًا
ولا وقت في ساعة القشلة
لأنك الأزلية كالمطر
ولا خمرة في كأس أبو نؤاس
حتى تمزجيها مع كركرات الجميلات
ولا حرية في ساحة الحرية
حتى نحبك دون فواتير يا بغداد