يَا سَائِرًا فِي ضِيَاءِ الحَقِّ مُعتَصِمِ
مَاذَا أَقُولُ؟ وَفِي كَفَّيكَ مُختَتَمِ؟
يَا مَن سَنَتكَ سُيُوفُ الحَرفِ قَافِيَةً
مَا بَينَ "قُم" وَ"دَعِ الدُّنيَا" عَلَى قِدَمِ
إِنِّي أَتَيتُكَ مِن شِعرٍ تُفَجِّرُهُ
نَارُ الهَوَى فِي فُؤَادٍ بِالغَرَامِ عَمِي
أَبكِيكَ لَا عَن جُحُودٍ، بَل لِأَوجُعِنَا
فِيكَ اشتَكَينَا وَلَم نَشكُكْ إِلَى صَنَمِ
مُذْ أَن بَدَا طَلَعُ البَدرِ الَّذِي بَزَغَت
مِنهُ المَكَارِمُ، ضَاعَتْ خُطوَةُ القَدَمِ
يَا مَن سَمَوتَ، وَذَا عَرشٌ تَخَطَّبُهُ
كُلُّ السَّمَاوَاتِ فِي سِرٍّ وَفِي عَلَمِ
يَا مَن جَهِلتُ هَوَاهُ، ثُمَّ قَد عَرَفَتْ
رُوحِي بِهِ وِجهَةَ التَّأوِيلِ وَالفِهَمِ
صَلَّى عَلَيكَ إِلَهُ العَرشِ مَا اتَّقَدَتْ
أَنفَاسُنَا بِشَهِيدِ الحُبِّ وَالنَّدَمِ
صَلَّى عَلَيكَ، وَلَا نَسهُو عَن اسمِكَ فِي
صَمتِ الخَلَوَاتِ أَو فِي جَلسَةِ الحُلُمِ
صَلَّى عَلَيكَ قُلُوبُ العَاشِقِينَ، وَقَد
ذَابُوا حَنِينًا، وَذَابَ الدَّمعُ فِي القَلَمِ
يَا سَاكِنَ القَلبِ بَينَ الصَّدرِ وَالأَدَمِ
أَنزَلتَ شَوقِي مِنَ الأَطلَالِ فِي سَقَمِ
يَا مَن رَمَى النُّورُ عَينِي فِي تَأَلُّقِهِ
كَيفَ التَقَى السَّهمُ وَالجَفنَانُ فِي نَقَمِ؟
رَمَى الهَوَى قَلبِيَ العَطشَانَ مِن ظَمَأٍ
حَتَّى غَدَوتُ بِلَوعَةِ الشَّكوَى مِنَ الأَلَمِ
لَمَّا بَدَا نُورُهُ يَغزُو مَوَاجِعَنَا
أَطلَقتُ عِبرَةَ عَينٍ ضَاقَ بِالأَلَمِ
فَخَرْتُ أَبكِي وَسِرُّ الرُّوحِ يَحرُقُنِي
مَا بَالُ جِسمِي بِأَشجَانِ الهَوَى نَهِمِ؟
قَد كُنتُ أَكتُمُ نَارَ الشَّوقِ فِي كَبِدِي
حَتَّى سَقَانِي بِهَا الحِبَّنِي مِنَ العَدَمِ
خَدَعتُ نَفسِيَ أَنَّ الصَّبرَ يُنجِدُهَا
فَصِرتُ أَسقَمَ مِمَّا كَانَ بِي سَقَمِ
يَا مَن يَلُومُ جَرِيحَ القَلبِ فِي أَلَمٍ
لَو ذُقتَ مِثلَ جِرَاحِي كُنتَ لَم تَلُمِ
قَد أَسمَعُ العَذلَ، وَالآذَانُ صَاغِيَةٌ
لَكِنَّ قَلبِي بِنَارِ الوَجدِ فِي صَمَمِ
يَا نَاعِسَ الطَّرفِ، إِنَّ الشَّوقَ مَا فَتِئَتْ
لَهُ القُلُوبُ جِرَاحًا تَنزِفُ النَّدَمِ
مَا ذُقتَ شَجنَ الغَرَامِ الذَّابِحِ أَبَدًا
فَنَم هَنِيئًا وَجِسمِي سَاهِرٌ أَلَمِ
أََفدِيكَ فَردًا وَمَا أَكلَفتُ أَنفُسَنَا
إِلَّا الخَيَالَ فِدَاءً دُونَكَ القَسَمِ
مَا أَغرَى فِيكَ لُؤمَ البُخلِ مِن سَفِهٍ
إِلَّا كَرِيمٌ بِسُوءِ الرَّأيِ وَالقِيَمِ
لَمَّا سَرَى ذِكرُكَ العَليَاءُ مُطَّرِدًا
دَاوَى جُرُوحَ العِطَاشَى مَن رَدَى السَّقَمِ
مَن ذَا يُنَافِسُ طَيفَ النُّورِ طَالِعَهُ
مِن بَانَةِ الرُّوحِ أَم مِن لَمحَةِ الحُلُمِ؟
أَيَا وُجُوهًا كَأَبرَاجِ الضُّحَى أَلقَتْ
أَنوَارَهَا فِي ضِيَاءِ العِزِّ وَالقَسَمِ
هُنَّ اللَّاتِي أَسلَمنَ قَلبِي لِأَنَّتِهَا
وَصِرنَ مِن لَحظِهِنَّ المَوتَ فِي غَرَمِ
يُضرِمنَ فِي خَدِّهِنَّ النَّارَ مُشتَعِلًا
وَيُسلِمنَ الأَكبَادَ لِلسُّمِّ وَالحِمَمِ
وَيَرفَعنَ لِوَاءَ الحُسنِ مُبتَسِمًا
كَأَنَّهُ البَدرُ فِي أَعطَافِهِ عَظَمِ
وَيَنثُرنَ سِحرَ جُفُونٍ فِي تَأَنُّقِهَا
تُصبِحُ فِيهِ رُؤُوسُ الحُلمِ كَالرَّمَمِ
يَا سَائِلِي عَن هَوَايَ العَذبِ وَالكَرَمِ
هَوًى تَجَرَّدَ مِن أَوزَارِ مُتَّهَمِ
مَا رَاقَنِي قَمَرٌ دَانٍ وَلَا خَفِقٌ
مِنَ المَآسِي، وَلَا سُكرَى مِنَ النِّعَمِ
قَد أَخلَصَتنِي يَدُ الأَيَّامِ مُعتَمِدًا
بِالعَزمِ أَحفَظُ طُهرَ القَلبِ وَالهِمَمِ
يَا بِئرَ وَجدٍ غَزِيرٍ مَاؤُهَا دَمِعٌ
تُفضِي بِرَائِحَةِ التَّقوَى عَلَى الأَدَمِ
مَا مَسَّ طُهرَ فُؤَادِي لَهوُ صَاخِبَةٍ
وَلَا استَبَاحَ خَيَالَ الرُّوحِ مِن سَقَمِ
بَل كُلَّمَا لَاحَ طَيفٌ فِي مَلَاعِبِهَا
صَدَفتُ عَنهُ، كَمَا أُصغِي إِلَى الحُلُمِ
إِنَّ العَفَافَ لِوَاءُ المَجدِ أَحمِلُهُ
وَأَمشِي بِهِ فَوقَ أَكتَافِ العُصْمِ
لَم تُرهِقِ النَّفسُ فِي خِزيٍ وَلَا طَمَعٍ
وَلَا انجَرَّتْ خَلفَ لَذَّاتٍ مِنَ الوَهَمِ
يَا عَاذِلِي، إِنَّمَا الأَشوَاقُ طَاهِرَةٌ
تُبدِي صَفَاءً كَصَفوِ الغَيثِ بِالدِّيَمِ
وَإِن جَرَى الدَّمعُ فَوقَ الخَدِّ مُرتَعِشًا
فَهُوَ اعتِرَافُ المُنَى لَا نَكسَةِ الهِمَمِ
لَمَّا بَدَا نُورُهُ يَغزُو مَوَاجِعَنَا
أَطلَقتُ عِبرَةَ عَينٍ ضَاقَ بِالأَلَمِ
فَخَرْتُ أَبكِي وَسِرُّ الرُّوحِ يَحرُقُنِي
مَا بَالُ جِسمِي بِأَشجَانِ الهَوَى نَهِمِ؟
قَد كُنتُ أَكتُمُ نَارَ الشَّوقِ فِي كَبِدِي
حَتَّى سَقَانِي بِهَا الحِبَّنِي مِنَ العَدَمِ
خَدَعتُ نَفسِيَ أَنَّ الصَّبرَ يُنجِدُهَا
فَصِرتُ أَسقَمَ مِمَّا كَانَ بِي سَقَمِ
يَا مَن يَلُومُ جَرِيحَ القَلبِ فِي أَلَمٍ
لَو ذُقتَ مِثلَ جِرَاحِي كُنتَ لَم تَلُمِ
قَد أَسمَعُ العَذلَ، وَالآذَانُ صَاغِيَةٌ
لَكِنَّ قَلبِي بِنَارِ الوَجدِ فِي صَمَمِ
يَا نَاعِسَ الطَّرفِ، إِنَّ الشَّوقَ مَا فَتِئَتْ
لَهُ القُلُوبُ جِرَاحًا تَنزِفُ النَّدَمِ
مَا ذُقتَ شَجنَ الغَرَامِ الذَّابِحِ أَبَدًا
فَنَم هَنِيئًا وَجِسمِي سَاهِرٌ أَلَمِ
أَفدِيكَ فَردًا وَمَا أَكلَفتُ أَنفُسَنَا
إِلَّا الخَيَالَ فِدَاءً دُونَكَ القَسَمِ
مَا أَغرَى فِيكَ لُؤمَ البُخلِ مِن سَفِهٍ
إِلَّا كَرِيمٌ بِسُوءِ الرَّأيِ وَالقِيَمِ
لَمَّا سَرَى ذِكرُكَ العَليَاءُ مُطَّرِدًا
دَاوَى جُرُوحَ العِطَاشَى مَن رَدَى السَّقَمِ
مَن ذَا يُنَافِسُ طَيفَ النُّورِ طَالِعَهُ
مِن بَانَةِ الرُّوحِ أَم مِن لَمحَةِ الحُلُمِ؟
أَيَا وُجُوهًا كَأَبرَاجِ الضُّحَى أَلقَتْ
أَنوَارَهَا فِي ضِيَاءِ العِزِّ وَالقَسَمِ
هُنَّ اللَّاتِي أَسلَمنَ قَلبِي لِأَنَّتِهَا
وَصِرنَ مِن لَحظِهِنَّ المَوتَ فِي غَرَمِ
يُضرِمنَ فِي خَدِّهِنَّ النَّارَ مُشتَعِلًا
وَيُسلِمنَ الأَكبَادَ لِلسُّمِّ وَالحِمَمِ
وَيَرفَعنَ لِوَاءَ الحُسنِ مُبتَسِمًا
كَأَنَّهُ البَدرُ فِي أَعطَافِهِ عَظَمِ
وَيَنثُرنَ سِحرَ جُفُونٍ فِي تَأَنُّقِهَا
تُصبِحُ فِيهِ رُؤُوسُ الحُلمِ كَالرَّمَمِ
يَا سَائِلِي عَن هَوَايَ العَذبِ وَالكَرَمِ
هَوًى تَجَرَّدَ مِن أَوزَارِ مُتَّهَمِ
مَا رَاقَنِي قَمَرٌ دَانٍ وَلَا خَفِقٌ
مِنَ المَآسِي، وَلَا سُكرَى مِنَ النِّعَمِ
قَد أَخلَصَتنِي يَدُ الأَيَّامِ مُعتَمِدًا
بِالعَزمِ أَحفَظُ طُهرَ القَلبِ وَالهِمَمِ
يَا بِئرَ وَجدٍ غَزِيرٍ مَاؤُهَا دَمِعٌ
تُفضِي بِرَائِحَةِ التَّقوَى عَلَى الأَدَمِ
مَا مَسَّ طُهرَ فُؤَادِي لَهوُ صَاخِبَةٍ
وَلَا استَبَاحَ خَيَالَ الرُّوحِ مِن سَقَمِ
بَل كُلَّمَا لَاحَ طَيفٌ فِي مَلَاعِبِهَا
صَدَفتُ عَنهُ، كَمَا أُصغِي إِلَى الحُلُمِ
إِنَّ العَفَافَ لِوَاءُ المَجدِ أَحمِلُهُ
وَأَمشِي بِهِ فَوقَ أَكتَافِ العُصْمِ
لَم تُرهِقِ النَّفسُ فِي خِزيٍ وَلَا طَمَعٍ
وَلَا انجَرَّتْ خَلفَ لَذَّاتٍ مِنَ الوَهَمِ
يَا عَاذِلِي، إِنَّمَا الأَشوَاقُ طَاهِرَةٌ
تُبدِي صَفَاءً كَصَفوِ الغَيثِ بِالدِّيَمِ
وَإِن جَرَى الدَّمعُ فَوقَ الخَدِّ مُرتَعِشًا
فَهُوَ اعتِرَافُ المُنَى لَا نَكسَةِ الهِمَمِ
مَا هَزَّنِي مِن غَوَانٍ مَمشُوقَةِ القَدَمِ
وَلَا أَنِينُ حِسَانٍ مَيلَاءَ بِالقَسَمِ
تَاللَّهِ مَا فَتَنَتنِي العَينُ بَاهِرَةٌ
وَلَا أَسَرَتنِي ضَفَائِرُ الحُسنِ بِالأَلَمِ
لَم أَبتَغِ غَيرَ نُورٍ فِي شَغَافِ دَمِي
وَلَا اصطَلَيتُ بِسُعرِ الوَجدِ وَالنَّدَمِ
طُهرُ الهَوَى قَسَمٌ، وَالعَهدُ مِلزَمَتِي
أَحيَا بِهِ مَا حَيِيتُ الدَّهرَ بِالقِسَمِ
قَد أَشرَقَتْ بِي لَيَالِي العِشقِ طَاهِرَةً
مَا دَنَّسَتنِي خَطَايَا العَيشِ وَالرَّغَمِ
كُلُّ الوَرَى قَد سُبُوا بِالنَّظَرِ زَهرَتَهُم
وَأَنَا سَبَانِي الهَوَى مُذ كَانَ فِي العَدَمِ
مَا زِلتُ أَستَعصِمُ العَليَاءَ أَعبُرُهَا
كَالطَّودِ أَصعَدُ فِي آفَاقِ مُرتَسِمِ
إِن كَانَ لِلنَّاسِ دُنيَاهُم وَغَانِيَتُهُم
فَلِيَ الرِّضَى بِحِمَى طُهرٍ بِلَا سَقَمِ
فَامضِ بِقَلبٍ كَجُلمُودِ السِّنِينَ مَضَى
وَاركَبْ صِعَابَ المَدَى وَالعَزمِ كَالعَلَمِ
مَا لِلهَوَى إِن تَطَهَّرْ غَيرُ مَرتَبَةٍ
تَرفَعُ القَلبَ فَوقَ الدَّهرِ وَالقِمَمِ
يَا مَن لِوَجدٍ تَقِيٍّ صَافِحِ الذِّمَمِ
يَجفُو الطِّبَاعَ، وَيَأبَى لَوثَةَ السَّقَمِ
مَا رُمتُ دَانِيَةَ الأَترَابِ فِي صَخَبٍ
وَلَا رَكَنتُ إِلَى خَمرٍ وَلَا نَغَمِ
إِنِّي لَأَحفَظُ عِرضَ الرُّوحِ مِن حُبُكٍ
كَالسَّيفِ أَحمِيهِ مِن شَوكٍ وَمِن حُطَمِ
لَم تَفتِنِ العَينُ بَيضَاءٌ وَلَا سَمَرٌ
وَلَا استَمَالَتْ فُؤَادِي رُعشَةُ القَدَمِ
وَكَم أَرتَنِي المُنَى زَهرَاءَ بَاسِمَةً
فَأَعرَضَتنِي عَنِ الأَفرَاحِ وَالكَرَمِ
مَا نَالَ قَلبِي هَوًى يُردِيهِ فِي سَفَهٍ
وَلَا غَوَى بِيَ فِي لَذَّاتِ مُزدَحَمِ
بَل قَد شَدَدتُ إِزَارَ الطُّهرِ مُنتَصِبًا
أَسِيرُ عَن نَسمَةِ اللَّذَّاتِ وَالنَّدَمِ
يَا نَفسُ صُونِي جِرَاحَ العِشقِ طَاهِرَةً
فَالعِشقُ ذَبْحٌ، وَصَبرٌ صَامِتُ الأَلَمِ
لَا تَحسَبِي مُتعَةَ الأَيَّامِ دَائِمَةً
فَكَم زَهَتْ ثُمَّ أُودِيَ الزَّهرُ فِي العَدَمِ
كَم مِن مُغَنٍّ لَهُ الأَفرَاحُ ضَاحِكَةٌ
وَهُوَ الجَرِيحُ إِذَا لَاقَى يَدَ النَّقَمِ
يَا عَاذِلِي إِنَّمَا الأَشوَاقُ رَافِعَةٌ
وَإِن بَدَا طَيفُهَا فِي مَغرَمٍ سَلِمِ
مَا حَرَّكَتنِي إِلَى اللَّذَّاتِ غَانِيَةٌ
وَلَا جَرَرتُ ثِيَابِي خِزيَ مُقتَحَمِ
مُذ كُنتُ أُبصِرُ نُورَ الحَقِّ مُتَّئِدًا
لَم تُشفِ النَّفسُ بِالحَسنَاءِ وَالظُّلَمِ
دُنيَاكِ دَارُ مَغِيبٍ لَا بَقَاءَ بِهَا
تَغتَالُ بِالعِطرِ قَلبَ الحُرِّ فِي نَدَمِ
مَا غَرَّنِي زَهرُهَا البَاكِي وَلَا لُؤمُ
مَن لَاحَ لِي فِي سُكُونِ الدَّهرِ كَالخَزَمِ
أَهوَى الفَضِيلَةَ بَيتًا لَا يُدَنِّسُهُ
طَمَعٌ، وَلَا يَنكَوِي بِالعَارِ وَالسُّقُمِ
إِنِّي وَإِن لَاحَ طَيفُ اللَّهوِ بَاسِمَةً
أَسلَدتُ أَجفَانَ وِجدَانِي عَلَى السُّدُمِ
فَامضِ عَلَى هَديِكَ المَعصُومِ مُحتَسِبًا
فَالعِزُّ كَالصَّبرِ مَجدٌ ثَابِتُ الدِّيَمِ
يَا مَن تَدَفَّقَ كَالضِّيَاءِ عَلَى الأُمَمِ
وَسَرَى، فَأَنبَتَ فِي قُلُوبِهِمُ الحِكَمِ
يَا مَن تَلَأَلَأَ كَالبُدُورِ عَلَى الدُّجَى
وَاغتَالَ لَيلَ الشِّركِ بِالأَنوَارِ وَالسُّلَمِ
سَرَيتَ فَوقَ الدَّهرِ تَروِي مَجدَهُ
كَالمُزنِ حِينَ يُفِيضُ بِالوَابِلِ الهَطَمِ
وَخَطَوتَ خَطوَ السَّيفِ فِي زَمَنِ الطُّغَى
فَارتَدَّ كُلُّ جَبَّارٍ إِلَى العَدَمِ
كَم قَد رَمَتكَ يَدُ الأَعَادِي بِالرَّدَى
فَرَجَعتَ أَعلَى مِنهُم عِزًّا عَلَى القِمَمِ
وَجَبِينُكَ السَّامِي إِذَا بَرَقَ الضِّيَاءُ
خَرَّتْ جِبَاهُ الكُفرِ بِالذُّلِّ وَالسَّأَمِ
طَهَ يَا صَفوَ البَرَايَا رَحمَةً
تَجرِي إِلَى الأَروَاحِ كَالطِّيبِ فِي النَّسَمِ
حُمِلتَ بِالأَنوَارِ طُهرًا سَابِقًا
قَبلَ الخَلِيقَةِ فِي سَرَائِرِهَا الكُتَمِ
وَاستَوطَنَ الإِيمَانُ قَلبَكَ مُشرِقًا
يَسرِي سُنَاهُ كَمَا يُسَاقُ إِلَى النَّعَمِ
يَا رُكنَ كُلِّ مُضَرَّجٍ بِالوَجدِ قَد
أَضنَاهُ طُولُ البَينِ وَالجُرحُ وَالنَّدَمِ
أَنتَ الَّذِي أَحيَيتَ قُفرَ نُفُوسِنَا
وَغَسَلتَ أَجفَانَ المُحِبِّينَ مِنَ السَّقَمِ
تَبكِي عَلَيكَ الرُّوحُ شَوقًا دَائِمًا
وَتَهِيمُ فِي ذِكرَاكَ كَالطَّيفِ فِي الحُلُمِ
يَا أَيُّهَا المَسكُوبُ مِن دَمعِ السَّمَا
كَرَمًا، كَأَنَّكَ غَيثُ مَوسِمِ الدِّيَمِ
قَد لَاحَ وَجهُكَ كَالنَّهَارِ ضِيَاؤُهُ
وَسِرتَ كَالإِشرَاقِ فِي أَعلَى القِمَمِ
وَسُقِيتَ بِالتَّحنَانِ رِيًّا خَالِصًا
حَيثُ الأَروَاحُ سُكرَى دُونَمَا سَقَمِ
لَو أَنَّنِي أُهدِيكَ عُمرِي كُلَّهُ
مَا زَادَ هَذَا العِشقُ عَن ذَرَّةِ الكَرَمِ
أَبكِيكِ يَا رُوحَ السَّلَامِ تَأَلُّقًا
وَأُضَمِّدُ القَلبَ الكَسِيرَ مِنَ الأَلَمِ
مَن ذَا يُسَاوِي فِي المَعَالِي عِزَّكُم
أَنَّى تَسَامَى فَوقَ مَجدِهِمُ عِلمِ؟
مَاذَا يَقُولُ الشِّعرُ إِن حَاوَلتُ أَن
أَرنُو لِمَدحِكَ يَا سِرَاجَ بَنِي آدَمِ؟
أَلفَيتُ مَدحِي كَالتُّرَابِ بِجَانِبِ
تِيجَانِ عِزِّكَ، فَوقَ هَامِ بَنِي الأُمَمِ
فَتَجَمَّلَ الإِكلِيلُ حِينَ ذَكَرتَهُ
وَسَمَا الرُّخَامُ وَعَزَّ قَدرُكَ فِي الحُطَمِ
لَا الشَّمسُ تَبلُغُ نُورَ عِزِّ جَبِينِكَ
وَلَا النُّجُومُ إِذَا عَلَتْ سُدُمِ
طَابَتْ بِكَ الدُّنيَا فَطَابَ نَسِيمُهَا
وَغَدَتْ ثِمَارُ الأَرضِ كَالعِقدِ المُنتَظِمِ
وَسَعَى إِلَيكَ النُّورُ قَبلَ مَجِيئِهِ
يَبكِي حَنِينًا فِي الجِبَاهِ وَفِي القِمَمِ
سُبحَانَ مَن سَوَّاكَ نُورًا خَالِدًا
تَزهُو بِكَ الأَكوَانُ فِي صَفَرٍ وَحَرَمِ
أَهفُو إِلَيكَ كَأَنَّنِي طِفلٌ يَرَى
فِي حِضنِكَ الآمَالَ تَجرِي بِلَا أَلَمِ
فَاحمِلْ فُؤَادِي إِن أَتَاكَ مُبَعثَرًا
تَعِبَ الفِرَاقُ وَطَالَ كَسرُهُ فِي الغُمَمِ
يَا صَاحِ قَد أَنهَكَ اللَّيلُ المُعتِمِ
وَالحُزنُ يَجرَعُكَ الأَوجَاعَ فِي الأَلَمِ
صَبرُ الفَتَى لِرَزَايَا الدَّهرِ مُمتَحَنٌ
مُستَسلِمًا لِصُرُوفِ الحَادِثَاتِ عَمِي
إِنِّي وَرَدتُ عَلَى لُجَجِ الزَّمَانِ وَمَا
غَاضَتْ لِيَ الهِمَمُ العُليَاءُ مِن قِمَمِ
أَدرِي وَيَعلَمُ أَنِّي لَستُ أَجهَلُهَا
ضَربًا مِنَ الدَّهرِ أَم ضَربًا مِنَ العَدَمِ
كَم حَارَبَتنِي سُيُوفُ الغَدرِ طَاعِنَةً
فِي مَوضِعِ القَلبِ سُمًّا خَالَطَ الحَسَمِ
وَكَم نَدَبتُ دُهُورًا غَابَ بَاسِمُهَا
عَنِّي وَمَزَّقَ أَحلَامِي وَهِيَ أَحمِي
وَالعَيشُ مَا العَيشُ إِلَّا زَهرَةٌ ذَبُلَتْ
تَطوِي عَلَى العَيشِ آهَاتٍ مِنَ النَّدَمِ
إِذَا تَفَاخَرَ أَهلُ المَالِ مَا وَهَبُوا
فَافتَخِرُوا أَنِّي أَسقِي العِلمَ مِن عَلَمِ
وَلَا أُبَاهِي بِمَالٍ خَادِعٍ وَغِنًى
مُستَغرَقِ البِشرِ فِي أَوهَامِهِ الرُّغُمِ
وَكَم تَلَقَّيتُ مِن سَعيِ العِدَى نَكَدًا
يَمضِي عَلَيَّ كَسَهمٍ جَارِحِ الحُسُمِ
مَا رُمتُ إِثمًا وَلَا جُرمًا وَمَا اقتَرَفَتْ
كَفِّي خَطِيئَةَ مَرجُومٍ وَلَا آثِمِ
وَلَكِنَّ أَهلَ الدُّنَى أَهوَاؤُهُم خُلِقَتْ
سُمًّا يَدُورُ عَلَى الأَبرِيَاءِ كَالسَّقَمِ
هَامَ الزَّمَانُ بِنَقصِ الوَعدِ مُدبِرًا
وَاستَوطَنَتْ فِيهِ أَقدَارٌ مِنَ السَّقَمِ
يَا قَلبُ لَا تَبتَئِسْ إِن رُمتَ مُكرِمَةً
فِي الدَّهرِ أَكرَمُ مَن يَصبِرُ عَلَى القِسَمِ
وَتَعلَمُ النَّفسُ أَنَّ العِزَّ فِي صَمَمٍ
أَكرَمُ مِن ذِلَّةٍ تَستَجدِي مِنَ الكَرَمِ
إِنِّي صَبَرتُ عَلَى ضَيمِ الزَّمَانِ وَمَا
هَانَتْ عَلَى النَّفسِ أَحلَامِي وَلَا قِيَمِي
وَمُنتَمَى الحُرِّ مَهمَا طَالَ مَيسَمُهُ
يَبقَى عَلِيًّا عَلَى الأَيَّامِ وَالقِمَمِ
وَخَتَمتُ شَكوَايَ يَا مَن لَستُ أُدرِكُهُ
إِلَّا بِفَضلِكَ فِي بُعدٍ وَفِي قُدُمِ
يَا سَادِرًا فِي لُجَجِ الظُّلَمَاءِ مُعتَمِمِ
هَب لِلقَتَادِ سَنَا الأَحلَامِ فِي الظُّلَمِ
قَد نُودِيَ اقرَأْ، وَمِن أَسرَارِ قَائِلِهَا
عَلَتْ مَرَاقِي السَّمَا بِالوَحيِ وَالنِّعَمِ
تَسَارَعَتْ رُوحُهُ العُليَا لِتَبلُغَهَا
كَالرَّعدِ يَنسُلُ مِن أَعمَاقِهِ الحُمَمِ
وَأَذَّنَ الحَقُّ فَانصَاعَتْ مَكَارِمُهُ
كَالصُّبحِ يَنبَلِجُ الأَنوَارَ مِن عَدَمِ
أَسمِعْ قُرَيشًا هُتَافَ الصِّدقِ مِن فَمِهِ
تَرمِي قُلُوبَهُمُ بِالحُبِّ وَالسَّقَمِ
سَأَلُوا السَّمَاءَ وَأَغوَاهُم تَمَرُّدُهُم
فَاستَنهَضُوا عِبَرَ أَحقَادٍ مِنَ السَّدَمِ
رَأَوا الجِبَالَ خَضَعنَ السَّهلَ مِن خَجَلٍ
مِن آيَةٍ خَطَفَتْ أَلبَابَهُم كَحُمَمِ
شَقَّ القَمَرُ دُجَى الآفَاقِ فِي عَجَبٍ
حَتَّى انثَنَى كُلُّ مَفتُونٍ إِلَى القَسَمِ
نَبَعَتْ مِيَاهُ الهُدَى مِن رَاحَةٍ غَرَّاءَ
فَاستَنبَتَ القَفرَ أَزهَارًا مِنَ الرُّحُمِ
يَا سَائِلِي عَن مَقَامِ الصِّدقِ سَل كَبِدًا
شَقَّتْ طَرِيقَ العُلَى بِالنُّبلِ وَالحِكَمِ
يَا حَاقِدِينَ عَلَى المُختَارِ يَا نَدَمِي
تَبكِي خَطَايَاكُمُ فِي وَابِلِ النَّدَمِ
هَل تَجهَلُونَ مَقَامَ الصَّادِقِينَ وَمَن
فَاقَ الزَّمَانَ وَطَيَّبَ الرُّوحَ بِالكَرَمِ
أَمِينُ قَومِهِ بَل كُلُّ صَادِقَةٍ
تَشهَدُ لَهُ بِفَمٍ مِن دُونِمَا تُهَمِ
عَلَا البُدُورَ عُلًا، وَالأُفقُ مُرتَجِفٌ
لِمَا أَطَلَّ كَضِيَاءِ الفَجرِ فِي القِمَمِ
آيَاتُهُ جُدَدٌ لَا تَنقَضِي أَبَدًا
كَالنَّهرِ يَرقَى بِنَبضِ الخُلدِ فِي القُدُمِ
سُبحَانَ مَن أَظهَرَ التَّنزِيلَ مُعجِزَةً
لَا تَنثَنِي وَمُضِيئًا كَالنَّجمِ فِي الظُّلَمِ
مُلِئَتْ يَدَاهُ عُلًا، نَبعًا مِنَ الشِّيَمِ
وَسَارَ بَينَ الوَرَى كَالغَيثِ فِي الكَرَمِ
أَفصَحَتِ الضَّادُ فِي آيَاتِهِ طَرِبًا
حَتَّى غَدَتْ فِي الوَرَى كَالدُّرِّ فِي السِّلَمِ
مَا قِيلَ إِلَّا كَرِيمٌ فِي حَدِيثِ فَتًى
عَزَّ الإِلَهُ بِهِ الآفَاقَ وَالأُمَمِ
فِي لَفظِهِ الدُّرُّ مَبثُوثٌ وَمُنتَظِمٌ
فِي كُلِّ قَلبٍ سَقَاهُ البِشرُ بِالنِّعَمِ
يَا خَاتَمَ الرُّسُلِ، الأَلبَابُ مُنبَهِرٌ
مِن فَيضِ عِلمٍ جَرَى يَسقِي بِلَا سَأَمِ
يَا بَدرَ تِمٍّ أَضَاءَ الخَلقَ طَلعَتُهُ
فَاستَبشَرَ العَجَمُ وَالأَعرَابُ بِالعَلَمِ
رَيحَانُ دِينِ الهُدَى عِطرٌ يُعَطِّرُنَا
كَأَنَّهُ المُزنُ يَسقِي الأَرضَ بِالقِيَمِ
سَرَى بَشَائِرُهُ فِي كُلِّ قَاصِيَةٍ
مَسرَى الضِّيَاءِ بِأَركَانِ الدُّجَى العَدَمِ
هَزَّتْ صَدَى إِيوَانِ كِسرَى زَلزَلَةً
مِن سَطوَةِ الحَقِّ لَا مِن نَخوَةِ القُدُمِ
خَرَّتْ عُرُوشُ الطُّغَاةِ السُّودِ بَاكِيَةً
حِينَ ارتَقَى الوَحيُ فِي كِبرِيَاءِ العَظَمِ
وَالنَّاسُ كَانُوا جِيَاعَ الرُّوحِ مِن أَمَدٍ
فَجَاءَهُم نُورُهُ كَالبَرقِ فِي الظُّلَمِ
يَا سَائِلِي عَن مُهجَتِي فِي سَاحَةِ الأَلَمِ
وَمُدرِكًا سِرَّ دَمعِي السَّاكِبِ العَرِمِ
إِنِّي شَكَوتُ إِلَى اللَّيلِ الطَّوِيلِ أَسَىً
حَتَّى بَكَى اللَّيلُ مِن وَجدِي وَمِن سَقَمِي
وَسِرتُ أَطوِي طَرِيقِي فِي الدُّجَى وَجِلًا
كَالحَائِرِ الضِّلِّ بَينَ السَّهلِ وَالعَلَمِ
أَدنُو وَأُبعِدُ عَن أَحلَامِيَ السُّحُبَا
وَأَخشَى التَّصَابِي وَأَرعَى وَقفَةَ الهَرَمِ
فَإِن بَكَيتُ فَلِلأَيَّامِ قَسوَتُهَا
وَإِن ضَحِكتُ فَذِكرَى الحُزنِ تَزدَحِمِ
أَرنُو إِلَى النَّاسِ لَا يُلقُونَ لِي نَظَرًا
كَأَنِّيَ العَدَمُ المَنسِيُّ فِي العَدَمِ
يَا وَيحَ قَلبِي! كَم يَطوِي فِي جَوَانِحِهِ
نِيرَانَ حِقدٍ وَعِشقٍ غَيرِ مُكتَتَمِ
مَن ذَا يُدَاوِي جِرَاحَ الرُّوحِ إِن نَزَفَتْ
دَمًا أُرِيقَ بِلَا ذَنبٍ وَلَا تُهَمِ؟
أَبكِي عَلَى مَن جَفَانِي عَن مَوَدَّتِهِ
وَخَانَ عَهدِي وَطَافَ اللَّيلَ بِالحُلُمِ
يَا مَن مَلَكتَ فُؤَادِي ثُمَّ أَضعَتَهُ
كَالمَوجِ أَغرَقَ بَعدَ الوَصلِ بِالسَّأَمِ
سَيفُ الزَّمَانِ عَلَى صَدرِي قَدِ انكَسَرَتْ
حِدَادُهُ بَينَ آهَاتٍ وَبَينَ نَدَمِ
أَيَّامُ عِزِّي كَطَيفِ الحُلمِ قَد ذَهَبَتْ
فَهَل تَعُودُ لَيَالِينَا مِنَ القِدَمِ؟
كُنَّا نُغَنِّي مَعَ الأَموَاجِ أَنغُمَةً
وَاليَومَ نَرثِي عَلَى الأَقدَارِ وَالنَّغَمِ
كَم قُلتُ لِلعَاذِلِينَ الحَاقِدِينَ أَمَاهُ
دَعُوا المَلَامَةَ هَذَا القَلبَ فِي سَقَمِ
قَد كُنتُ أَرعَى عَلَى الأَكبَادِ مُهجَتِي
وَاليَومَ أَرعَى بَقَايَا الوَصلِ وَالنَّسَمِ
يَا صَخرَةَ الصَّبرِ إِنِّي كَم تَحَمَّلتُ
ضَرَباتِ دَهرٍ عَوَانٍ غَيرِ ذِي رَحِمِ
مَن لِي بِوَجهِ الضُّحَى لَمَّا تَزَيَّنُ بِهِ
نَفسِي وَتَنسَى لَيَالِي الوَجدِ وَالأَلَمِ؟
أَينَ الصِّبَا إِن نَادَيتُ الطُّفُولَةَ لَم
تُجِبْ سِوَى رَعشَةٍ بَيضَاءَ كَالرَّمَمِ
كَم خَانَنِي الدَّهرُ، كَم رَمَانِي بِقَسوَتِهِ
حَتَّى ظَنَنتُ بِأَنِّي آخِرُ الأُمَمِ
إِن كُنتَ تُدرِكُ مَا فِي القَلبِ مِن شَجَنٍ
فَامسَحْ دُمُوعِي بِرَاحِ الوَصلِ وَالكَرَمِ
آهِ لَو أَنَّ اللَّيَالِي تُستَجَابُ لَنَا
لَمَا تَرَكنَا الأَمَانِي تَذبُلُ فِي العَدَمِ
لَكِنَّهَا سُنَّةُ الدُّنيَا تُدِيرُ بِنَا
رَحَى الأَسَى بَينَ تَضلِيلٍ وَبَينَ أَلَمِ
كَم رَاوَغَتنَا يَدُ الأَيَّامِ خَادِعَةً
حَتَّى حَسِبْنَا الزَّمَانَ الغَادِرَ الخَصِمِ
نَغدُو نَجُرُّ خُطَانَا فَوقَ شَوكَتِهَا
وَنَرفَعُ الجُرحَ عُذرًا فَوقَ مُبتَسِمِ
مَا بَالُ قَلبِكَ كَالمِرآةِ يَنكَسِرُ؟
مَا بَالُ عَهدِكَ كَالسَّرَابِ فِي القِمَمِ؟
إِن كَانَ فِي الحُبِّ لَومٌ أَو تَجَنٍّ بِنَا
فَالعِشقُ أَحلَى بِمَا ذُقنَاهُ مِن نَدَمِ
فَدَعِ المَلَامَةَ عَنَّا نَحنُ نَعرِفُهَا
خَيرًا مِنَ اللَّومِ، فَاقرَأْ آخِرَ الحِكَمِ
مَا عَادَ يَنفَعُ فِي الأَشجَانِ وَاعِظُنَا
وَلَا الشَّفِيعُ إِذَا ضَاقَتْ بِنَا التُّهَمِ
دَعنِي أُغَنِّي مَعَ الأَنفَاسِ أُغنِيَةً
تَبكِي الدِّيَارَ وَتَنعَى قَسوَةَ القِدَمِ
قَد ذُبتُ شَوقًا وَصِرتُ الذَّوبَ فِي جَسَدِي
كَأَنَّنِي لَوحَةُ الآهَاتِ وَالنَّدَمِ
تَسرِي الرَّوَابِي فِي خُطَاكَ هِمَمُ
وَتَرُومُ عِزَّتَهَا طُمُوحُ ذِمَمِ
وَتَجُوبُ أَحشَاءَ السَّحَابِ مَهَابَةً
كَالسَّيفِ يُرهِقُ هَامَةَ الغَاشِمِ
وَتَمُدُّ رَايَاتِ الظَّفَرِ فَوقَهُم
فَتَهِيمُ أَفئِدَةٌ وَتُرتَجَمُ
وَتُسِيلُ دَمعَ المَجدِ فَوقَ جِرَاحِهِ
فَتَسِيلُ أَسرَارٌ وَتُستَلهَمُ
وَيَعُودُ وَجهُ الأَرضِ يَزهُو ضَاحِكًا
بِسَنَا يَدَيكَ إِذَا بَدَتْ تُلهِمُ
وَتُنِيرُ أَركَانَ المَدَى فَتَطَأطِئُ
هَامَاتُ أَعدَائِكَ وَتَستَسلِمُ
إِنِّي رَأَيتُ العِزَّ رَهنَ يَمِينِكَ ال
مَمدُودَةِ شَرَفًا عَلَى القِمَمِ
وَسَمِعتُ فِي أَنفَاسِكَ الوَحيَ الَّذِي
تَرنُو لَهُ الأَروَاحُ فِي الحُلُمِ
وَأَصَبتُ فِيكَ خِصَالَ قَومٍ مَاجِدٍ
مِن نَسلِ مَكرُمَةٍ وَمِن كَرَمِ
وَمَشَيتَ بَينَ السَّيفِ وَالعَليَاءِ فِي
دَربٍ تَهَدَّلَ بِالمُنَى وَالنِّعَمِ
تَحنُو إِلَى الجُرحَى بِقَلبٍ خَاشِعٍ
وَتَرُومُ بَأسًا فِي مَوَاطِنِ حِمَمِ
وَتَذُودُ عَن عِرضِ الحَقِيقَةِ صَارِخًا
فِي مَهَبِّ أَريَاحِ الدُّجَى وَالسَّمَمِ
يَا لَابِسًا تَاجَ المَكَارِمِ شَامِخًا
أَضحَتْ بِهِ الأَكوَانُ كَالخَدَمِ
رَفَعَتْ خُطَاكَ مَفَاخِرُ الزَّمَنِ العَتِي
قِ وَجَاءَكَ التَّارِيخُ كَالمُغنَمِ
وَتَهُزُّ أَركَانَ البُغَاةِ كَأَنَّهَا
نُذُرُ الزَّلَازِلِ فَاضَتِ النِّقَمِ
سَل سَيفَكَ الصِّمصَامَ كَيفَ تَبَسَّمَتْ
فِي قَبضَتَيكَ جِرَاحُ كُلِّ ظُلَمِ
وَسَلِ الحُسَامَ إِذَا صَفَحتَ بِيُمنِهِ
أَهلَ الضَّلَالَةِ فَانثَنَوا كَالذِّمَمِ
وَغَدَوتَ تَسكُبُ رَحمَةً وَنِقمَةً
بِيَدَينِ عَاذِلِ سَاطِعِ الحُكَمِ
هَذِي البِلَادُ لَظَاكَ تُنشِدُ عِزَّهَا
وَتَرُومُ أَنفَاسَ العُلَا بِفَمِ
فَانْهَضْ بِهَا وَانْسِجْ قِمَاطَ نُجَابِهَا
نُورًا عَلَى نُورٍ مِنَ الْكَلِمِ
وَافْتَحْ لَهَا الْأَبْوَابَ حَتَّى تَسْكُبَا
فَجْرًا يَضِجُّ بِسُؤْدَدٍ وَحِكَمِ
سِرْ كَالْخِضَمِّ يُفِيضُ وُدًّا عَابِقًا
وَيُرِيقُ بَأْسًا حِينَمَا يَحْتَدِمِ
لَمْ يَسْتَبِنْ غَيْرُ الْمُهَابِ رِدَاءَكَ الْ
مُلْتَفَّ بِالسُّؤْدَدِ وَالْكَرَمِ
مَا نَالَ رُقِيًّا مَنْ أَهَانَ وَصَانَهُ
عَنْ كُلِّ مَرْهُوبٍ وَكُلِّ سَأَمِ
إِنَّا شَهِدْنَا جُودَ رَاحِكَ سَيِّدًا
كَالْغَيْثِ يَغْسِلُ حِقْدَ كُلِّ أَثِمِ
وَرَأَيْتُ أَطْيَافَ السَّنَا تَتَوَالَدُ الْ
أَفْرَاحُ فِيهَا مِثْلُ نُورِ عَلَمِ
وَمَضَيْتَ تَزْرَعُ فِي الدُّنَى قَامَاتِهَا
وَتُقِيمُهَا كَالطَّوْدِ فِي الْقِدَمِ
وَاسْتَعْذَبَتْ خَطْرَاكَ كُلُّ مَفَاوِزٍ
كَانَتْ تَعِيثُ بِرَاكِبٍ وَغَنَمِ
وَمَلَكْتَ أَسْرَارَ النَّدَى وَنَوَامِيَ الْ
أَيَّامِ تَخْضَرُّ الدُّنَا بِعَدَمِ
هَذِي يَدَاكَ تَقُودُ عَرْشَ مَشَاعِرٍ
وَتَفُكُّ أَغْلَالَ الْقُلُوبِ بِهَمِّ
وَتُقِيمُ أَوْدِيَةَ الْمَكَارِمِ هَاطِلًا
كَرَمًا تَسِيلُ مَنَاقِعُ الْقَسَمِ
أَنَا ابْنُ الْحَرْبِ وَالْمَيْدَانِ وَالسَّقَمِ
أُطْوِي الْجِيَادَ وَأُرْدِي اللَّيْثَ فِي الظُّلَمِ
أَسْرِي عَلَى هَامِ عَلْيَاءِ الْمَدَى هِمَمًا
وَأَزْرَعُ الرُّعْبَ فِي قُلْبَانِ كُلِّ عَمِمِ
لَا أَرْتَضِي الدُّونَ بَيْنَ الْقَوْمِ مَنْزِلَةً
وَلَا أُصَاهِرُ إِلَّا الْحُرَّ فِي الشِّيَمِ
أَنَا الَّذِي ذُعِرَتْ مِنْ صَيْحَتِي أُمَمٌ
وَحَلَّ فِي رُعْبِهَا زِلْزَالُ مُرْتَسِمِ
وَإِذَا النُّفُوسُ غَدَتْ خَوَّافَةً وَجَلَتْ
كُنْتُ الضِّيَاءَ لِشُهْبٍ غَيْرِ مُنْصَرِمِ
وَلِلْأَسِنَّةِ فِي صَدْرِي مَرَابِعُهَا
وَلِلرِّمَاحِ سَرَى لَحْمِي إِلَى الْعَظَمِ
تَقَدَّمَنِي الطَّعْنُ، لَا أَخْشَى مَضَاضَتَهُ
حَتَّى أَرَانِي وَأَيْدِي الْمَوْتِ فِي حُطَمِ
كَمْ قَدْ بَنَيْتُ قِبَابَ الْمَجْدِ شَامِخَةً
حَتَّى ثَنَيْتُ لَهُ أَعْلَى ذُرَى الْعَلَمِ
وَكَمْ سَرَيْتُ لِوَجْهِ الدَّهْرِ أَلْطِمُهُ
حَتَّى بَدَا خَاضِعَ الْجَبَّارِ وَالْهِمَمِ
أَنَّى يُسَامَى ذُرَايَ الْخَلْقُ مُجْتَمِعًا
أَوْ يُدْرِكُ النَّجْمُ حَدَّ السَّيْفِ فِي قِمَمِ؟
لِيَ السُّيُوفُ عَلَى أَعْدَائِي مَاضِيَةٌ
وَلِي دِمَاءُ الْعِدَى طُهْرِي مِنَ السَّقَمِ
مَا زِلْتُ أَرْكَبُ مِنْ أَطْمَاعِهِمْ شَرَرًا
وَأَعْتَلِي هَامَهُمْ زَحْفًا عَلَى الْقِمَمِ
إِنْ سَلَّ سَيْفِي فَمَا يُبْقِي لِذِي رَمَقٍ
وَلَا تَظَلُّ عَلَى الْأَمْوَاتِ مِنْ رَحِمِ
وَإِنْ دَعَوْتُ بَنِي قَوْمِي لِغَارَتِهِمْ
هَبُّوا كَإِعْصَارِ رِيحٍ مُطْبِقِ الظُّلَمِ
وَإِنْ طَغَى الدَّهْرُ لَا أَرْكَنُ لِمَرْزِئَةٍ
وَلَا أَلِينُ لِوَقْعِ الْجُوعِ أَوِ الْعَدَمِ
أَنَا الَّذِي وَسِعَتْ أَوْطَانَهُ هِمَمٌ
وَقَامَ فَوْقَ بِنَاءِ الْعِزِّ وَالْأَشَمِ
كَمْ قَدْ حَفِظْتُ حِمَى قَوْمِي وَمَكْرُمَتِي
وَحَارَبَ السَّيْفُ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ قَسَمِي
إِذَا تَمَطَّى إِلَى الْأَعْدَاءِ عَزْمُ دَمِي
سَادَ الزَّمَانُ وَصَارَ الدَّهْرُ فِي خَدَمِ
أَنَا الَّذِي تَشْهَدُ الْأَيَّامُ سِيرَتَهُ
وَتَرْوِي الْأَرْضُ عَنْ آبَائِي الْقِدَمِ
وَلَسْتُ أَرْضَى حَيَاةَ الذُّلِّ لِي قَدَرًا
وَلَا أَعِيشُ ذَلِيلًا تَحْتَ حُكْمِ عَمِ
أُرْغِمُ الدَّهْرَ أَنْ يَأْتِي لِمَطْلَبِنَا
مُطَأْطِئَ الرَّأْسِ مِنْ خِزْيٍ وَمِنْ نَدَمِ
أَنَا الْعَصِيُّ عَلَى كَيْدِ الْعُدَاةِ، وَلَا
أُؤْتَى الْخَسِيسَةَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَمِ
لِي هِمَّةٌ كَسِحَابِ الْعِزِّ رَافِعَةٌ
تُعْلِي الرُّؤُوسَ وَتُسْقِي جُمْلَةَ الْأُمَمِ
إِنْ رَامَنِي الْبَغْيُ، رَدَّ الْبَأْسُ مِكْرُمَةً
وَسَاقَ خِسَّتَهُ لِلدَّفْنِ فِي نَجَمِ
لَا أَرْهَبُ الْمَوْتَ، بَلْ أَمْضِي لِمَرْهَمِهِ
كَأَنَّمَا الْمَوْتُ مَاءٌ مِنْ سُرَى الْعَلَمِ
لِلَّهِ دَرُّ فَتًى إِنْ شَامَ مَكْرُمَةً
طَارَ إِلَيْهَا كَطَيْرِ الْبَرْقِ فِي نَسَمِ
يَبْكِي الْجَبَانُ إِذَا نَادَى الْمَنُونُ بِهِ
وَأَضْحَكُ السَّيْفَ فِي وَجْهِ الرَّدَى الشَّمَمِ
مَا خِلْتُ نَفْسِيَ إِلَّا الطَّوْدَ شَامِخَةً
وَلَا تَخَاذَلْتُ يَوْمًا دُونَ مُرْتَسَمِ
لَوْلَا الْمَعَالِي لَمَا خَطَّتْ يَدِي قَلَمًا
وَلَا بَنَى الْمَجْدَ إِلَّا سَادَةُ الْقِدَمِ
أَسِيرُ وَالْمَجْدُ تَحْتَ الرَّايَاتِ يَتْبَعُنِي
وَكُلُّ قَاصِيَةٍ تَطْوِي إِلَى خَدَمِ
يَا رَبُّ هَا أَنَذَا أَدْعُوكَ فِي نَدَمِ
دَمْعِي عَلَى الْخَدِّ يَجْرِي غَيْرَ مُنْصَرِمِ
أَسْرَفْتُ فِي الْخَطْبِ وَالْأَحْزَانُ قَدْ قَصَمَتْ
ضِلْعِي، وَجَفْنِي سَقَاهُ الْهَمُّ بِالْأَلَمِ
مَالِي سِوَاكَ رَجَاءٌ فِي مُلِمَّتِهِ
وَلَا أَنِيسٌ إِذَا مَا خِفْتُ مِنْ نَدَمِ
أَتَيْتُ بَابَكَ أَدْعُو بِالْغَدَاةِ وَفِي
لَيْلِ الدُّجَى خَائِفًا مِنْ سَطْوَةِ النِّقَمِ
يَا وَاسِعَ الْعَفْوِ يَا ذَا الْعَرْشِ يَا سَنَدِي
يَا مَنْ بِعَفْوِكَ تُطْفِي شُعْلَةَ النِّقَمِ
أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ يَا مَوْلَايَ مُعْتَذِرًا
بِمَا جَنَتْهُ يَدَايَ السُّودُ مِنْ جُرْمِ
تَلَطَّفَنِي بِرِضَاكَ السَّمْحِ مُنْتَظِرًا
فَيْضَ الْكَرَامَةِ أَوْ غُفْرَانَ مُلْتَطِمِ
أَبْكِي بِدَمْعٍ غَزِيرٍ فَوْقَ رَاحَتِكُمْ
وَالْقَلْبُ يَسْأَلُ عَنْ سِتْرٍ مِنَ الْأَلَمِ
إِنْ كُنْتُ عَبْدًا عَصَى يَا رَبِّ فَاغْفِرْ لَهُ
وَارْحَمْ عَبِيدًا غَدَوْا فِي وَحْشَةِ الظُّلَمِ
وَجَّهْتُ نَحْوَكَ وَجْهِي لَا مَلَاذَ سِوَى
بَابِ الرَّجَاءِ وَلَا مَأْوَى لِمُغْتَرِمِ
شَفِيعُنَا الْمُصْطَفَى يَا رَبِّ فَاشْفَعْ لَهُ
وَاجْعَلْ لِقَاءَكَ يَوْمَ الْعَرْضِ مُبْتَسِمِ
آمَنْتُ أَنَّكَ ذُو غُفْرَانِ مِنْ كَرَمٍ
وَذُو عِقَابٍ شَدِيدٍ مَارِدٍ عَرِمِ
يَا رَبِّ لَا تَجْعَلِ الْأَوْزَارَ مَوْثِقَتِي
وَلَا تُخَلِّدْ فُؤَادِي فِي لَظَى النَّدَمِ
بَلْ أَنْعِمَنْ بِسَلَامٍ فِي الْمَعَادِ كَمَا
تَهْفُو النُّفُوسُ لِعَذْبِ الْمَاءِ مِنْ سَقَمِ
وَاسْقِ الْحَشَى مِنْ رَحِيقِ الْعَفْوِ مِنْ يَدِكُمْ
وَاغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْأَمْطَارِ وَالدِّيَمِ
إِنِّي لَجَأْتُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ مُعْتَذِرًا
وَكُلُّ عَبْدٍ لِجُودِ اللَّهِ قَدْ هَرِمِ
فَابْعَثْ إِلَى قَلْبِيَ الرَّاضِي سَكِينَتَهُ
كَمَا يَلُوحُ الضِّيَاءُ الْفَجْرُ فِي الظُّلَمِ
وَارْفَعْ لِوَاءَ الرِّضَا عَنِّي لِتُورِقَ لِي
أَيَّامُ عُمْرِي بِسِحْرِ الْعَفْوِ وَالنِّعَمِ
أَنْتَ الْكَرِيمُ الَّذِي لَا يُرْتَجَى أَحَدٌ
غَيْرُ الْكَرِيمِ إِذَا مَا ضَاقَ بِالنِّعَمِ
مَالِي سِوَاكَ إِذَا أَوْصَدَتْ أَبْوَابَهُمْ
وَالْقَلْبُ أَضْحَى سَجِينَ الْكَرْبِ وَالْأَلَمِ
فَرِّجْ هُمُومِي وَأَجْلِ سَقَمَ مَضْجَعَتِي
وَاغْسِلْ فُؤَادِي بِصَافِي النُّورِ وَالْكَرَمِ
وَأَنْزِلِ السَّلْمَ فِي دَرْبِي وَبَارِكْنِي
بِالْعَفْوِ يَسْرِي كَنَهْرٍ جَارِفٍ دُهُمِ
وَاسْقِ الْفُؤَادَ بِرَكْبِ الْغُفْرِ مُبْتَهِجًا
يَا مَنْ تُسَيِّرُ أَمْوَاجَ الرِّضَا الْعَرِمِ
أَدْعُوكَ يَا مَلِكَ الْأَكْوَانِ مُرْتَجِفًا
وَالدَّمْعُ يَسْفَحُ حُزْنِي فَوْقَ مُنْتَهِمِ
وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَيْسِيرًا وَنَفْحَتَهُ
وَنَفْحَةَ الْخَيْرِ فِي إِظْلَامِ كُلِّ ظُلَمِ
يَا رَحْمَةَ اللَّهِ مَنْ تَعْنُو الْجِبَاهُ لَهَا
وَمَنْ تُبَدِّدُ نَارَ الذَّنْبِ فِي الرِّمَمِ
أَدْعُوكَ تَضَرُّعَ سَاجِدٍ قَدْ خَضَعْ
أَوَّاهُ دَمْعِي وَنَبْضُ الْقَلْبِ فِي صَمَمِ
مَالِي سِوَى دَعْوَةٍ تَرْجُو شَفَاعَتَكُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْحَشْرِ وَالْأُمَمِ
فَارْحَمْ إِلَهِي عَبِيدًا ضَجَّ مَضْجَعُهُمْ
بِدَمْعَةِ الْعَجْزِ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالسَّقَمِ
وَاجْعَلْ شَفَاعَةَ خَيْرِ الْخَلْقِ لِي سَنَدًا
وَكُنْ لِضَعْفِي وَفَقْرِ الْحَالِ ذَا رَحِمِ
أَوْ كَالْوَصِيِّ عَلِيٍّ سَيْفُ بَأْسِهِمِ
لِلَّهِ كَمْ زَلْزَلَ الطُّغْيَانَ بِالصَّمَمِ
ذَاكَ الَّذِي خَرَّتِ الْأَبْطَالُ سَاجِدَةً
مِنْ هَيْبَةِ الطُّهْرِ وَالْإِيمَانِ وَالْكَرَمِ
يَا زَهْرَةَ الدِّينِ يَا سِرَّ الْإِبَاءِ وَيَا
شَمْسَ الْمَكَارِمِ فِي الْإِظْلَامِ وَالْعَتَمِ
وَفَاطِمٌ خَيْرُ أُمٍّ قَدْ سَمَتْ شَرَفًا
طُهْرًا تَأَلَّقَ فَوْقَ الشَّمْسِ وَالسُّدُمِ
أُمُّ الْبَتُولِ وَمَنْ أَنْفَاسُهَا عَبِقَتْ
آيُ الْوَفَاءِ وَنُورُ الْعَدْلِ وَالْحِكَمِ
وَالْحَسَنُ الْبَدْرُ إِذْ يَخْتَالُ مُبْتَسِمًا
كَالسَّيْفِ فِي قَبَضَاتِ الْحَزْمِ وَالنِّعَمِ
وَالْحُسَيْنُ الَّذِي ذَابَتْ قُلُوبُهُمُ
شَوْقًا لَهُ وَوَجِيبُ الْقَلْبِ فِي أَلَمِ
رَيْحَانَتَا الْمُصْطَفَى طَهَّرَتْهُمَا
أَنْفَاسُ أَحْمَدَ مِنْ إِشْرَاقِ مُلْتَطِمِ
كَأَنَّمَا الْعَدْلُ وَالْإِيمَانُ مَلْحَمَةٌ
فِي خَلْقِ طُهْرٍ وَنُورٍ غَيْرِ مُنْصَرِمِ
وَصَحْبُهُ الْغُرُّ وَالْأَنْوَاءُ تَشْهَدُهُمْ
بَحْرًا تَلَاطَمَ فَوْقَ السَّيْفِ وَالْعَلَمِ
مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ التِّبْرُ الَّذِي صَهَرَتْ
جَمَرَاتُ بَأْسِ الْعِدَى فِي سَاحَةِ السَّلَمِ
وَصَادِقُ الْعَهْدِ فَارُوقُ الزَّمَانِ وَمَا
جَارَى سَنَاهُ سَنَى الْبَدْرِ الْمُنْعَدِمِ
وَعُثْمَانُ نُورٌ بِأَيْدِي الْغَدْرِ قَدْ فُجِعَتْ
سُيُوفُهُ وَهُوَ فَوْقَ الْمُصْحَفِ الْقَدَمِ
وَحَيْدَرُ السَّيْفِ قَدْ طَارَتْ مَضَارِبُهُ
حَتَّى كَأَنَّ الزَّمَانَ الضَّارِبَ السَّهَمِ
أُولَئِكَ الْقَوْمُ زِلْزَالُ الدُّجَى بِهِمُ
وَحَسْبُهُمْ فِي الْوَرَى مَجْدٌ بِلَا صَنَمِ
قَضَوْا وَقَدْ شَهِدَتْ أَسْيَافُهُمْ لَهُمُ
بِأَنَّهُمْ خَيْرُ جُنْدٍ سَاقَهُمْ حِلْمِ
وَرَكْبُهُمْ فِي دُرُوبِ الْعِزِّ مُرْتَفِعٌ
كَالطَّوْدِ إِنْ رَامَهُ الْجَبَّارُ لَمْ يَدِمِ
حَازُوا الْمَعَالِيَ، وَسَارُوا نَحْوَ غَايَتِهِمْ
تَسْعَى النُّجُومُ إِلَيْهِمْ سَعْيَ مُلْتَثِمِ
فَخْرُ الزَّمَانِ، وَشَمْسُ الْعَدْلِ قَدْ سَجَدَتْ
لِخَطْوِهِمْ، وَالثَّرَى فِي قَبْضِهِمْ رَحِمِ
يَا رَبِّ هَذَا خِتَامُ الْحُبِّ وَالْعَلَمِ
بِالْمُصْطَفَى أَرْتَجِي غُفْرَانَ مُجْرِمِ
أَكْرِمْ بِمُدَّاحِهِ أَفْلَاكَ سَابِحَةً
تَهْوِي سُجُوداً لِسِرٍّ غَيْرِ مُنْصَرِمِ
إِنِّي عَلَى الْبَابِ أَبْكِي الذَّنْبَ مُعْتَرِفاً
كَمْ ذَاكَ دَمْعِي سَخِينٌ غَيْرُ مُنْصَرِمِ
مُدَّدْ بِمَنْ كَانَ نُورَ اللَّوْحِ فِي قِدَمٍ
وَاجْعَلْ لَنَا ظِلَّهُ غَيْثاً لِمُزْدَحِمِ
يَا رَبِّ إِنِّي خَطِئْتُ الْعَهْدَ مُتَّهِماً
نَفْسِي وَأَغْوَايَ مِنْ غَبْنٍ وَمِنْ نَدَمِ
يَا لَائِمِي فِي غَرَامِ الْمُصْطَفَى كَفَنِي
مِثْلُ الْعَبِيرِ وَلَا أُصْغِي لِذِي لَمَمِ
إِذَا انْتَهَى الْعَقْلُ عِنْدَ الْحُبِّ مُرْتَهَناً
تَرْنُو الْقُلُوبُ وَتُبْدِي وَجْهَهَا الْعَدَمِ
يَا مَنْ بِذِكْرَاهُ حَتَّى الدَّمْعُ يَبْتَسِمُ
وَيَنْثَنِي الطَّرْفُ مِنْ طِيبٍ وَمِنْ نَسَمِ
صَلِّ الْعَلَى وَسَلِّمْ دَائِماً أَبَداً
عَلَى الَّذِي زَانَ وَجْهَ الدَّهْرِ بِالْكَرَمِ
وَاكْتُبْ لَنَا يَا إِلَهِي حُسْنَ خِتَامِنَا
بِالْمُصْطَفَى زَادَنَا وَالْوُدُّ لَمْ يَصِمِ
عَيْنَاكَ يَا قَلْبُ تَغْفُو فَوْقَ أَضْلُعِهِ
وَالرُّوحُ تَسْرِي إِلَى حِمَى الْحِمَى الْحَرَمِ
أَنَا الْغَرِيقُ بِأَحْزَانٍ مُوَلَّهَةٍ
وَالذَّنْبُ كَالطَّوْدِ يَعْلُو سُنْبُلَ الْقِمَمِ
يَا رَبِّ أَنْتَ الرَّجَا وَالْمَنُّ وَالرَّحَمَا
فَاحْفَظْ لَنَا الذِّكْرَ فِي سِرٍّ وَفِي عَلَمِ
وَارْحَمْ ضَيَاعَ فَتَىً أَلْقَاهُ مُنْكَسِراً
فِي ظُلْمَةِ الذَّنْبِ يَبْكِي خَيْبَةَ الْحُلُمِ
يَا صَاحِبَ الْعَرْشِ غَطِّينِي بِرَحْمَتِكَ
فَمَا لِمِثْلِي سِوَى أَسْتَارِكَ الْعِصَمِ
سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْ بِاسْمِهِ نَجُدٌ
وَأَشْرَقَتْ مِنْ ضِيَائِهِ صَدْرُ مُلْتَحِمِ
هَبْنِي شَفِيعاً أَبَا الزَّهْرَاءِ تَغْفِرُ لِي
مَا قَدْ جَنَيْتُ بِشَيْبِ الْعُمْرِ وَالسَّقَمِ
وَاخْتِمْ بِذِكْرَاهُ عَقْدَ الْعُمْرِ مُنْتَظِماً
عَلَى الرِّضَا دُونَ كَدَرٍ أَوْ شَقَىً عَمَمِ
بِالْمُصْطَفَى سُؤْلُنَا وَاللَّهُ مُنْجِحُهُ
وَالْخَيْرُ أَجْدَى عَلَى الْإِحْسَانِ وَالنِّعَمِ
مَا لِي إِذَا جِئْتُ بَابَ الْعَفْوِ أَطْرُقُهُ
تَرْجُفُ رُكْبَايَ مِنْ خَوْفٍ وَمِنْ نَدَمِ؟
هَلْ يَرْحَمُ الْمُصْطَفَى شِعْرِي الَّذِي بَكَى
فِيهِ الْقَصِيدُ، وَسَالَ الْوَجْدُ فِي الْكَلِمِ؟
يَا سَيِّدِي، فَاقْبَلِ التَّقْصِيرَ مُعْتَذِرًا
إِنِّي قَصِيرُ الْمَدَى، مُلْقَىً عَلَى التُّهَمِ
إِنِّي سَقِيمٌ، وَذِكْرُ الْحُبِّ يُبْرِئُنِي
مِمَّا جَنَتْهُ خَطَايَا الرُّوحِ مِنْ سَقَمِ
سَافَرْتُ فِي دَمْعَتِي، وَالْمَوْجُ مُجْتَثِثٌ
مَا ضَاقَ شِعْرِي، وَلَكِنْ ضَاقَ مِنْ أَلَمِي
شِعْرٌ خَجُولٌ، وَفِيهِ الْعُذْرُ مُغْتَسِلٌ
بِالدَّمْعِ، لَا بِالرُّؤَى، أَوْ حُسْنِ مُنْتَقَمِ
لَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ دَمْعَ الْعَاشِقِينَ عَلَى
مِيزَانِ عِطْفِكَ، مَا خِفْتُ مِنَ النِّقَمِ
لَكَ الْمَحَبَّةُ فِي قَلْبِي مُؤَبَّدَةٌ
مَا دَامَ فِيهَا هَوَاكَ الْوِجْهَةَ الْأَوَمِ
مَا كَانَ شِعْرِيَ إِلَّا بَعْضَ بَوْحِ دَمٍ
فَامْنُنْ بِعَفْوِكَ يَا مَوْلَايَ وَابْتَسِمِ
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ الْعَرْشِ مَا سَجَدَتْ
أَرْوَاحُنَا فِي سُكُونِ اللَّيْلِ وَالسَّحَمِ