مِنْ عَتْمَةِ الغَيِّ والشِّرْكِ الذّي امْتَشَقا
شَعَّ الهُدى بَدْرَ تَمٍّ يَغْمُرُ الأُفُقَا
يَجْلُو الذِّي بالوَرَى كَانتْ صَحائِفُهُ
سُودًا، وَحَيْثُ الهَوى يَطْوي بهمْ طُرُقَا
أَوْ مُزْنَةً مِنْ حِياضِ النّورِ مَطْلَعُها
يُزْجِي سَحائِبَها البَرُّ الذِّي خَلَقَا
يُؤلِّفُ المُزْنَ فِيمَا بيْنَها فَتَرى
خِلالَها الوَدْقَ يَهْمي سَلْسلاً وَ نَقَا
كَانَتْ شَآَبِيبُها بَرْدًا عَلى نَسَمٍ
ظمْآى إلى الحَقِّ، حَرَّى، أُشْرِبَتْ حُرَقَا
قَدْ أَوْغَلَتْ في الخَطايَا ليسَ يَزْجُرُها
دينٌ وَ لا وازِعٌ في النُّصْحِ قَدْ صَدَقَا
فيَا لهَا رَحْمَةً للْعالَمينَ سَقَتْ
جَدْبَ القُلُوبِ، فَكَانتْ بَلْسَمًا وَ رُقَى
مِنْ مكَّةَ انْحَدَرتْ أنْسامُهَا بشَرًا
بذّ البريّة شَأْنًا وَ انتَشى خُلُقَا
محمَّدٌ ويتيهُ اللَّفظُ في حَرمٍ
أعْيا البيانَ فأمْسى حرْفُه قلِقَا
تَجفُّ في سَاحِهِ الأقلامُ عَاجِزةً
عنْ وصْفهِ كيف تُرضِي الطِّرْسَ وَ الوَرقا؟
مُحَمَّدٌ، وَ جَلِيلُ الوصف مَا نَطَقَتْ
بِهِ الحَيَاةُ عَفَافًا خَالِصًا، وَ تُقَى
وَخَطّه الدّهْر في لوْحِ الخُلُودِ وَمَنْ
لا شيءَ يذكُرهُ إلاّ بهِ عَلِقا
يُحبُّه الحُبُّ في أسْمَى مَنازِلهِ
يُحِبُّهُ البُغْضُ إرْغاما وَ إنْ حَنِقا
كَأنَّمَا سُلَّ مِنْ نُورٍ فَلَسْتَ تَرَى
عَليهِ إلاَّ السَّنَا وَ البٍشْرَ وَ الأَلَقَا
سَمِيُّهُ الحَمْدُ وَ المَعْرُوفُ زِينَتُهُ
وَالخيْرُ يَقْطرُ، مِنْ أرْدَانِهِ عَبَقَا
إذا تبسَّمَ رفَّ الكوْنُ مُبْتهِجًا
وإنْ شكَا، ضَجَّ بالأحْزانِ مُخْتَنِقا
بهِ قُريْشٌ عَلَتْ فاسْتَخْلصَتْ شَرَفًا
بَاهَتْ بِهِ أُمَمَ الدُّنْيَا وَ مَنْ سَمَقَا
وكانَ منهَا عليهِ كُل بائقةٍ
تذيقُه الجُوعَ وَ الإيذاءَ والفَرَقَا
وَحِلْمُهُ سَائِرٌ فِيهِم، بِهم مَثَلاً
والعَفْوخَطَّ: اذْهبُوا فأنتمُ الطُّلَقَا
مَا قَالها قائلٌ إلاَّ بهِ عَلقَتْ
مِنْ سَيْبِهِ بَركَاتٌ تجْمَعُ الفُرَقَا
يجُبُّ ما أجْرمُوا في حقِّه كرمًا
والطّيبُ نَشْرُهُ يزكو إنْ هُو احْترقا
إنّا فتحْنا لَك انْسَابتْ بَشائرُهُ
والبَاطِلُ الغِرُّ مِنْ إرْباكِهِ زَهَقَا
فَاقَ النّبيّين فَضْلا وَ هْوَ خَاتَمُهُمْ
وكُلُّهُمْ حّائزٌ فضْلاً بهِ سَبَقَا
تَفجَّرَ المَاءُ سَحًّا مِنْ أنَامِلِه
فقَامَ للجيْشِ منْ كَيْدِ الظَّما وَ سَقَى
وَالجِذعُ حَنَّ فلمْ يَملِكْ لواعِجَهُ
عندَ الفِراقِ فأذْرَى دمْعَهُ الغَدِقا
وَخَصَّه اللّهُ بالإسْراءِ تكْرِمَةً
ورَحْمَةً لَهُ مِمَّنْ سَامَهُ رَهَقَا
وزَادَ أَنْ جَادَ بِالمِعْراجِ فاكْتَملَتْ
آلاؤهُ، حِينَ وشّاهُ بحُسْنِ لِقَا
فِي سِدْرَةِ المُنْتهَى،حَيْثُ انْتَهى شَرَفٌ
لمْ يُعْطَهُ غَيْرُهُ يَا نِعْمَ مَا رُزِقَا
شَفيعُنا يومَ لاَ مَالٌ وَ لاَ وَلدٌ
يُغْنِي، وَ نَادَى المُنادِي: هلْ هُنا عُتَقا؟
أنا لها ضَارِعًا يَرْجُو لأمّته
طَوْقَ الخَلاَصِ، وَ مَا مِنْ شَافِعٍ نَطَقَا
صلّى عَليهِ الذّي زكّاهُ مَا هتفتْ
بالأَيْك وُرْقٌ، وَ هَذا القَلبُ مَا خَفَقَا