تخطَّ إلى المحتوى

ألا رب ليل قد تمطى بستره

الطويل

٢٠ بيت

النسيب

أَلا رُبَّ لَيْلٍ قَدْ تَمَطَّى بِسِتْرِهِ

وَأَرْخَى سُدُولًا فِي الدُّجَى وَهْوَ مُسْتَتِرُ

وَبَاتَتْ نُجُومُ اللَّيْلِ تَرْعَى سُهُودَهُ

وَفِي الصَّمْتِ سِرٌّ لِلْخَفِيِّ يُقَدَّرُ

وَقَامَتْ عَلَى شُرْفَاتِهِ مِنْ ضِيَائِهِ

امْرَأَةٌ كَأَنَّ النُّورَ فِيهَا يُصَوَّرُ

تُؤَلِّفُ مِنْ نَسْجِ الشُّعَاعِ مَحَاسِنًا

فَيُخْلَقُ وَجْهٌ فِي السَّمَاءِ وَيُزْهَرُ

وَتَغْسِلُ وَجْهَ اللَّيْلِ حَتَّى كَأَنَّهُ

صَبَاحٌ عَلَى أَجْفَانِهِ يَتَفَجَّرُ

وَتَفْتِلُ مِنْ خَيْطِ الظَّلَامِ مَجَرَّةً

فَتَسْرِي وَفِي أَطْرَافِهَا الضَّوْءُ يُسْفِرُ

وَتَمْشِي فَتَرْتَاعُ النُّجُومُ لِخَطْوِهَا

وَيَرْكَعُ قَلْبُ اللَّيْلِ وَهْوَ مُحَيَّرُ

كَأَنَّ خُطَاهَا فِي الفَضَاءِ تَرَانِيمُ

يُرَدِّدُهَا صَمْتُ السَّمَاءِ وَيُكْثِرُ

وَتَسْكُبُ فِي جَوْفِ الدُّجَى مِنْ نَفَسِهَا

حَيَاةً فَيَحْيَا مَا يَمُوتُ وَيُبْصِرُ

وَتُوقِدُ فِي أَحْشَاءِ قَلْبِي شُعَاعَهَا

فَيَغْدُو رَمَادُ الصَّمْتِ فِيهِ يُنَوِّرُ

وَتَرْسُمُ فِي أُفْقِ الْخَيَالِ مَجَالَهَا

فَيَدُورُ دَهْرٌ فِي يَدَيْهَا وَيُقْهَرُ

وَتَسْقِي جُذُورَ الصَّمْتِ مِنْ وَحْيِ رُوحِهَا

فَيُورِقُ فِي عِرْقِ الظَّلَامِ التَّفَكُّرُ

وَتَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهَا بَرْقَ تَجَلٍّ

فَيَخْضَرُّ مَا بَيْنَ الفَضَاءِ وَيُزْهَرُ

وَتُوقِظُ فِي الرِّيحِ انْسِيَابَ أَغَانِهَا

فَيَسْكُتُ صَخَبُ الكَوْنِ وَهْوَ مُطَهَّرُ

وَتَبْقَى وَقَدْ أَوْدَعْتِ الضِّيَاءَ مَقَامَهُ

فَمَا اللَّيْلُ إِلَّا فِي يَدَيْهَا يُقَدَّرُ

وَإِنِّي إِذَا مَا اللَّيْلُ أَلْقَى ظِلَالَهُ

رَأَيْتُ بِنُورِ الْعَيْنِ طَيْفًا يُصَوَّرُ

فَأَتْبَعُهُ وَالْقَلْبُ يَرْكُضُ خَلْفَهُ

كَأَنِّي إِلَى سِرٍّ خَفِيٍّ أُسَيَّرُ

فَإِنْ غَابَ عَنِّي عَادَ كَوْنِي مُظْلِمًا

وَإِنْ لَاحَ فِي أُفْقِ الْهَوَى يَتَنَوَّرُ

وَمَا أَنَا إِلَّا فِي هَوَاهَا مُعَلَّقٌ

يُقَلِّبُنِي شَوْقٌ وَقَلْبِي يُقَرِّرُ

إِذَا ذُكِرَتْ فِي اللَّيْلِ هَاجَتْ صَبَابَتِي

وَإِنْ صَمَتَتْ عَنِّي الْمَشَاعِرُ تَزْخَرُ