أنا القلبُ في ساحةِ الحكمِ واقفٌ
أُقادُ إلى ميزانِ عقلٍ مُحاكِمِ
ديارٌ تهاوتْ في الضلوعِ كأنَّها
بقايا زمانٍ في الترابِ مراكِمِ
سألتُ الرّياحَ اللافحاتِ بموضعٍ
فأرجعَني صمتُ الفلاةِ المظالمِ
كأنّي وما بي غيرُ جرحٍ مُجَرَّبٍ
أُجاذبُ طيفَ الوهمِ بينَ المواسمِ
فمن بعدِ ذاكَ الطَّللِ المُتَلاشِي
سريتُ أُقاسي في المدى كلَّ عاثمِ
أُسائلُ برقَ الأفقِ هل من نجاةٍ
فيخذلني برقٌ ويُدني الغمائمِ
وأمشي إذا ما الليلُ أرخى سدولَهُ
كأنّي بلا عقلٍ يُقيمُ ويَحكُمِ
أُصارعُ ريحًا في الفلاةِ تلسعُ الخطى
فأرجعُ والمسرى عليَّ مَهَازِمِ
أظنُّ السرابَ الماءَ حتى إذا دنا
رأيتُ سرابَ العيشِ وهْوَ المُحَطَّمِ
هنالكَ قلبي في الضلوعِ كأنَّهُ
قتيلُ هوىً بينَ الشكاةِ مُلَامِ
أُحاكِمُهُ والعقلُ يقضي بجرمِهِ
وفي النفسِ قاضٍ لا يلينُ لظالمِ
فقال الهوى: هذا بريءٌ وإنّما
أسرتهُ الأهواءُ حينَ التحكُّمِ
وقال العقلُ الصارمُ: أنتَ مُضيِّعٌ
وقد خضتَ بحرًا ليس فيهِ السَّلَمِ
فما لي أرى في كلِّ حكمٍ خصومةً
وفي كلِّ قولٍ بيننا يتَهَشَّمِ
أيا أيها القاضي الذي ليس بعدَهُ
سوى حكمِ نفسٍ لا يزولُ ولا يُظلمِ
رأيتُ الهوى قد كان أصدقَ لحظةً
ورأيتُ عقلًا في الجفاءِ يُحَكِّمِ
فإن كان ذنبي أنني كنتُ عاشقًا
فهذا الذي في الناسِ لا يُتَّهمِ
فحُكمي على قلبي شغفٌ مُتَيَّمٌ
ولكنَّهُ في دربِه يتَحَطَّمِ
فلا هو نالَ الوصلَ يومًا مُحَقَّقًا
ولا هو من نسيانِه يتعلَّمِ
وها أنا أمضي بعد حكمٍ كأنَّهُ
سيوفُ قضاءٍ في الفؤادِ تُهَشَّمِ
وأتركُ قلبي في العذابِ مُكَبَّلًا
وأمضي كأنّي لا أرى ما تَحَكَّمِ
فإن كان هذا حكمَ نفسي فإنني
رضيتُ، ولكنَّ الجراحَ تَتَكَلَّمِ