أمّي ذكرتُكِ والحشى يتقطّعُ
شوقاً لذكراكِ الجَوارحُ تضْرعُ
أنتِ العيونُ ومنْ خلالك عالمي
حبّاً أراهُ بالعواطفِ يَنصعُ
الجسْمُ ينمو منْ تُرابكِ والدما
تجري بقلبي منْ مذاقكِ تُصنعُ
أنتِ الجَمالُ وآيةٌ منْ مُبدعٍ
خلقَ الحنانَ ففي فؤادكِ يَربعُ
قد حِرتُ يا أمّي فكيف أناملي
تروي عطاءكِ بالحروفِ وتقنعُ
لن يعلوَ الثقلان رحْمةَ مُرضعٍ
حتّى ولو كلّ العواطفِ تُشرعُ
فهي السماحةُ والكمالُ مدادها
وهي المكارمُ لا لأجر يُدفعُ
وإذا كبرتُ حنانها متجدّدٌ
للموتِ يبقى لا يملُّ ويَهجعُ
في حضنكِ الأنفاسُ تُدفئُ دنيتي
وتلفّني بالمكرماتِ الأذرعُ
في غيرِ أمٍّ أيّ عطف يعتلي
هذا الحنان وأيّ حبّ أروعُ
الأم عاطفةٌ ورحمٌ مُحسنٌ
وعظيمُ نعمَاءٍ بها نتولّعُ
حملٌ وإرضاعٌ وبالٌ مسهدٌ
حبٌ وإخلاصٌ وقلبٌ يُوسعُ
الأمُّ تعطي بالحليبِ حنانها
لا خير في أمّ لصدرٍ تمنعُ
خُلّقتُ في أمُّي إليها مُوهنا
وهن على وهنٍ به تتوجّعُ
جسمٌ بقلبينِ الدماءُ تضمُّنا
قلبي لقلبكِ كالتوائمِ يتبع
حُبّي لشخصكِ كالمجرةِ وسْعه
لكنّ كوناً من حنانكِ يفرع
من صدْركِ المعطاء كنَّا نرتوي
لبناً شهيّاً للجوارجِ يشبعُ
لفطامِ صدركِ كان صبري مؤلماً
فالصبرُ عند المفطمين الأجزعُ
قد فاقَ عسري كلّ عسرٍ قسْوةً
فالبعدُ عن صدر الأمومةِ مُفزعُ
أرمي أيادِي الأهلِ حين تجرُّني
عن بحرِ جودٍ من دِمائكِ يُصنعُ
أحنو لصدركِ كالغريقِ بموته
فكأنّ صدركِ للمنايا المشفعُ
جاءوا بألوانِ المشاربِ والغذا
بدلاً ولكن ما بذلك مشبعُ
عُذراً فقد مزّقتُ ثوبكِ مُجبراً
وأظافري في صدرِ جودك تُطبعُ
الصخرُ يبكي حينَ يَشهدُ لوعتي
من صدركِ الملآن ثغري يُنزعُ
لم تحلُ للروح المشارب كُلَّها
رغم الحلاوةِ فالمشاربُ تلذعُ
ورأيتُ بعْدي منْ يُعانق لاهفاً
ما كان لي يوماً عيوناً تنبعُ
أخذوا مكاني أخوتي وتولّعوا
بنعيم ما أصبو وما أتطلَّع
عُمري بأيامِ الرضاعةِ متعة
لكنّهُ من بعدها لا يُجرعُ
سنتان فوق منابع من صدرها
أروي الحياةَ ومن عطاها أكرع
آه لعمرٍ جاوزَ العمرَ الذي
بدني بحضنكِ راقدٌ يتدلعُ
اللهُ قد خلقَ الأجنّةَ قادراً
من نُطفةٍ مُشجت برحمٍ تُزرعُ
خُلقتْ تباعاً مُضغةً من بيضةٍ
من بعدها لحْماً لعظمٍ يُودعُ
في الرحمِ أشكالُ الأجنّةِ تنطوي
خلقاً بأطوارٍ تُصاغُ وتُطبعُ
علمُ الأجنّة لا يزال بحيرةٍ
كيف الخليقة من خلايا تُجمعُ
هذي الدلائلُ أنّ ربك موجدٌ
والخلقُ يحكمه العليمُ المبدعُ
الأمُّ صانعةُ الرجالِ وفكرهم
خيرُ الرجالِ لخيرِ أمٍّ يرجعُ
وإذا الحليبُ إلى الرضيع مصنّع
فالضرّ عند شبابه يُتوقّعُ