لا أنطق اسم مدينة،
أنا أنادي أمّي،
كأمٍّ تهزّ ملاك طفلها
بين أذرعها الحنونة.
أستحضر السماء التي تعانق البيوت
كطفلةٍ تغمض عينيها فتبتسم،
وأرضًا تُربّي الحنين كما تُربّي القمح
في فجرٍ يبتسم للريح.
كفاني أن أموت شوقًا لها،
ولا رصاصًا،
ولا خبرًا عاجلًا،
بل حنينًا بطيئًا
يتسرب في عروقي
كأنه نهرٌ ينساب بين الصخور.
كفاني أن أُدفن في ثراها
وأتحول في غيابها
إلى فكرةٍ باكية،
كظل شجرةٍ وحيدةٍ في صحراء قاحلة،
وإلى اسمٍ يبحث عن حضن البيت.
أذوب تحت ثراها وأنا بعيدة،
وأبعث من وجعي عشبًا
ينمو فوق جراحها
كطفلٍ يزرع وردةً بعد دمعة،
وأبعث زهرةً صغيرة
لا تشبه الورود،
بل تشبه ابتسامة طفلٍ
يتسلّل عبر النوافذ المغلقة.
تعبث بها كفّ طفل
نمّته الحكايات القديمة،
وعلّمته الأزقّة
كيف يكون البيت
كحلمٍ يطفو فوق بحرٍ هائج.
وأنا أعدّ غربتي كل صباح
أتذكّرها…
وأترك للدمعة مقعدًا على الطاولة
كما يترك المطر كوبًا نصف مليء بالسماء.
وأنا أعود إلى غرفةٍ ليست بيتي
أترك الباب مواربًا
علّ بيت حانون
تدخل من الغياب
وتجلس كطائرٍ يلتقط أنفاسه في فجرٍ خجول.
الحبّ الذي بيننا
لا يُقصف،
ولا يُحاصر،
ولا يموت،
كشمسٍ تشرق في قلب الشتاء.
نحن نغيب
لكن لا نُمحى،
كأحجارٍ على ضفاف نهرٍ لم يُجفّ.
نُنفى
لكن لا نُنسى،
كأغصان الزيتون التي تتسلّق الجدران المهدمة.
نُكسَر
لكن لا نُهزم،
كأمواجٍ تُعيد رسم الشاطئ رغم الصخر.