تخطَّ إلى المحتوى

نجيء إليك وفي الصوت ترتيلنا

غير معروف

١٠٣ بيت

الحماسة

نجيءُ إليكِ، وفي الصوتِ ترتيلُنا

وفي القلبِ إنجيلُ صبرٍ تَسامَا

وفي الكفِّ قرآنُ فجرٍ جديدٍ

وفي العينِ وعدُ السماواتِ قامَا

هنا القدسُ، لا تسألوا عن مداها

فكلُّ المدى في ثراها استقامَا

هنا مريمُ مرّتْ على صمتِ دربٍ

فصارَ السكوتُ صلاةً وكلامَا

هنا يسوعُ إذا قال: سلامٌ

تهاوى من الخوفِ ألفُ حُطامَا

وهنا محمدٌ حين أسري به

شقَّ السماواتِ نورًا ونظامَ

هنا الأذانُ يعانقُ جرسَ الكنائسِ

لا الشرقُ يلغى… ولا الغربُ نامَا

هنا اللهُ يُسمَعُ في كلِّ صوتٍ

إذا قالَ طفلٌ: أريدُ الأمانَا

هنا القبةُ الذهبيةُ تاجُ الدعاءِ

وهنا المآذنُ صارتْ قيامَا

وهنا الصليبُ إذا مالَ يومًا

أسندهُ التكبيرُ… عادَ استقامَا

يا قدسُ، يا وجعَ الأرضِ لما تصحو

ويا فرحةَ الأرضِ لما تنامَا

عليكِ اجتمعَ الأنبياءُ صلاةً

فصارَ الترابُ كتابًا وكلاما

نجيءُ إليكِ، وفي القلبِ زيتونُنا

وفي الكفِّ مفتاحُ دارٍ تهامَا

وفي الصدرِ حشرجةُ الذكرِ لما

يطولُ الغيابُ، ويقسى الظلامَا

نجيءُ إليكِ، وأطفالُنا

يحملون الحلمَ خبزًا ولامَا

يسألون: أينَ بيوتنا؟

فنقول: في القلبِ، فينا، أمامَا

هنا الحجرُ يرتّلُ سرَّ البقاء

وهنا الشجرُ لا يخونُ الذمامَا

وهنا كلُّ نافذةٍ في الجدار

تعاندُ ليلًا، وتُنجِبُ ضياءَا

إذا أطفؤوا في العيونِ النهارَ

أضأنا من الروحِ سرَّ الدوامَا

وإن كسروا في الضلوعِ الرجاء

بنينا من الصبرِ معنى القِوامَا

نجيءُ إليكِ، ولو قالوا: انتهى

ولو قالوا: هذا الطريقُ انمحى

فنحنُ الطريقُ إذا ما انطفى

ونحنُ اليقينُ إذا ما توارى

نجيءُ إليكِ، وما بين ضلعينِ

نحملُ وطنًا من التضرّعِ سامَا

نخبِّئُ في الروحِ خوفَ الليالي

ونُظهرُ في العينِ وجهَ السَّما

نجيءُ إليكِ، وفي الصوتِ أمٌّ

تنادي على طفلِها إذ تنامَا

تقولُ: سيعودُ، ولو بعد حينٍ

ولو طالَ دربُ الغيابِ ظلامَا

هنا الطفلُ يمشي على جرحِ يومٍ

ويضحكُ كي لا يرى ما تداعَى

يحملُ في كفِّه حجرَ حلمٍ

وفي صدرِه يرتعشُ ما تساوَى

هنا الزيتُ يبكي إذا قُطِعَ الغصنُ

لكنّهُ ينبتُ ألفَ اكتِفاءَا

وهنا الأرضُ تعرفُ أسماءَنا

إذا ضاعَ من بين أيدينا المدى

هنا الأمُّ تصنعُ من وجعِ القلبِ

ترتيلةَ صبرٍ، وتعطيها مدى

وتقرأُ فوقَ الرغيفِ دعاءً

ليكبرَ طفلُها مؤمنًا بالردى؟

لا… بل مؤمنًا أنّ بعدَ الظلامِ

يجيءُ النهارُ وإن طالَ أذى

هنا الشيخُ إذا رفعَ الكفَّ قالَ:

"إلهي… على القدسِ صبرٌ رَسَا"

وهنا الراهبُ سكَتَ في الدجى

فأزهرتِ الصمتُ نورًا خفَا

هنا يسوعُ يعودُ كلَّ مساءٍ

إلى ساحةِ الحزنِ طفلًا يُواسَا

يمسحُ عن وجهِ أمٍّ دموعَها

ويقول: "هذا الأسى سوف يُنسَى"

وهنا محمدٌ في المدى يكبِّرُ

فتصحو المآذنُ بعدَ الكرى

وتنهضُ القبابُ من ركعَتَينِ

ويكبرُ في الصدرِ معنى الرِّضا

وهنا مريمُ تمشي على وجعِ بيتٍ

وتُرضِعُ في الصبرِ معنى النقا

تقولُ لليلِ إذا طالَ: مهلاً

ففي الرحمِ نورُ غدٍ قد مضى

نجيءُ إليكِ، بكلِّ الصحونِ الفارغة

نملؤها بالدعاءِ غذَا

وبكلِّ الثيابِ التي بليتْ

نغسلُها بالصلاةِ نقَا

إذا ضاقتِ الأرضُ في وجهِنا

فتحنا من الآه أبوابَ سَمَا

وإن قالَ قهرٌ: هنا تنتهون

قلنا: هنا يبدأُ المبتدَا

نجيءُ إليكِ، ولو قالَ خوفٌ

بأنَّ الطريقَ طويلُ العنا

نجيءُ لأنَّ الرجوعَ صلاةٌ

ولأنَّ التراجعَ نوعُ الفِنا

نجيءُ إليكِ كأنّا السنينُ

إذا اشتدّ في العمرِ معنى الفَنَا

نجيءُ إليكِ كأسرابِ فجرٍ

تشقُّ الدجى… وتردُّ السُّنَا

نجيءُ إليكِ، وكلُّ الدروبِ

تقولُ: هنا يبدأُ المنتهَى

وهنا تنحني الريحُ وهي تسيرُ

إذا مرّ من ظلِّكِ الكبريَا

هنا الأزقّةُ تحفظُ خطوَ الجدودِ

وتعرفُ من ماتَ… من قد مضَى

هنا البابُ يشهدُ أنّ الوداعَ

لم يكن يومًا اختيارًا لنا

هنا المفتاحُ العظيمُ القديمُ

ينامُ على صدرِ أمٍّ رَضَا

تعدُّ الليالي… تقولُ: سيعودُ

ولو بعدَ ألفِ شتاءٍ جَفَى

هنا الطفلةُ الآنَ تحفظُ اسمَ المدينةِ

قبلَ الحروفِ، قبلَ الهُدَا

إذا سُئلتْ: من تكونين؟ قالتْ:

أنا من هناكَ… أنا من هنا

هنا الحُلمُ لا يتكلّمُ همسًا

هنا الحُلمُ إن نطقَ… قد زأرَا

هنا الحلمُ يُولدُ من ضيقِ جرحٍ

ويكبرُ حتى يُغيِّرَ المسارَا

هنا الأرضُ ليستْ ترابًا فقط

هنا الأرضُ معنىً إذا اختُبِرَا

هنا الأرضُ أمٌّ، إذا ما انكسرنا

تلمّ شتاتَ القلوبِ الكِبارَا

هنا لا يُقاسُ الرجالُ بأجسادِهم

بل بما حملوا في الصدورِ جهارَا

هنا من مشى وهو يعرفُ أنّ

الطريقَ شقاءٌ… مضى واختارَا

هنا لا البطولةُ صرخةُ صوتٍ

ولا المجدُ لفظًا يُقالُ اختصارَا

هنا البطولةُ صبرُ الأمهاتِ

إذا ودّعنَ الفجرَ مرًّا وكرارَا

هنا الرايةُ لا تُنسَجُ من حريرٍ

بل من عظامِ الضلوعِ وقارَا

هنا الرايةُ إن مالتْ يومًا

أعادَ القيامَ لها الانكسارَا

نجيءُ إليكِ، وكلُّ الشعوبِ

تراهنُ أنّ القيامةَ جارَا

نجيءُ إليكِ، لأنّ السقوطَ

إذا طالَ… يولدُ منهُ المسارَا

نجيءُ إليكِ، وفي الحنجرةِ

بقايا نشيدٍ، بقايا نهارَا

نرتّلهُ حين يضيقُ الرجاءُ

فنصنعُ من نبرةِ اليأسِ دارَا

هنا كلُّ دمعةِ صدقٍ تُصلّي

وهنا كلُّ خطوةِ حقٍّ تُنارَا

هنا القدسُ لا تقبلُ أنصافَ حبٍّ

ولا تقبلُ النصفَ حينَ يُدارَا

هنا القدسُ إمّا الدخولُ الكاملُ

إمّا الوقوفُ بعيدًا… صغارَا

هنا القدسُ تأخذُ كلَّ الذي

أتي بها صادقًا… وانتصارَا

نجيءُ إليكِ، يا قدسُ… يا قلبَ الأملَا

نرفعُ في الدروبِ علمَنا… ونصلي دعَا

نحنُ الأطفالُ، على أطرافِ الزوايا

نمشي على الحجارةِ، نزرعُ الحياةَا

هنا الزيتونُ يشهدُ على دماءِ الجدودِ

هنا القبابُ تعانقُ السماءَ بالهدَا

هنا الأذانُ يتحدّى صمتَ الليلِ

وهنا التراتيلُ تصدحُ في كلِّ دُرَا

هنا مريمُ تمسحُ دمعةَ طفلٍ

وتقول: صبراً… فما الموتُ إلا فِتَا

وهنا يسوعُ يبتسمُ وسطَ الركامِ

ويهمسُ: الحقُّ باقٍ، مهما طالَ الأذَا

وهنا محمدٌ في النورِ يُسَمِّينا

ويعلّمنا أنّ الصبرَ نورٌ لا يُمحَى

نجيءُ إليكِ، يا قدسُ… نرفعُ راياتٍ

صُنعَتْ من الترابِ، من الحجرِ، من الدُّرَا

نحنُ الذينَ إذا انهارَ بيتٌ

بنينا فوقَ الركامِ من نورِ السمَا

نحنُ الذينَ إذا قُصفتْ الدروبُ

زرعنا الحبَّ في القلبِ… صارَا

نجيءُ إليكِ، ونحملُ قصصَ الأمهاتِ

اللواتي فقدنَ أطفالَهُنَّ… وبَدنَا

نجيءُ إليكِ، لنروي الأرضَ

بدماءِ الشهداءِ… بدموعِ المساكينَا

نجيءُ إليكِ، كي يعلو صوتُ القدسِ

وكلُّ جدارٍ يُصبِحُ فينا عَزَا

نحنُ الذينَ إذا طالَ الظلامُ

أشعلنا التراتيلَ… فأضاءَ السمَا

نجيءُ إليكِ، يا مدينةَ الصلاةِ

يا قبلةَ كلِّ الأنبياءِ… يا أملَا

نحنُ الحجارةُ التي لم تنكسرْ

نحنُ الزيتونُ الذي صمدَ في المِصَارَا

نحنُ الأطفالُ الذينَ يكتبونَ التاريخَ

على جدرانِ البيوتِ المهدمةِ… بلا خَوْفَا

نحنُ الذينَ إذا سكتَ العالمُ

هتفنا بالحقِّ… صدَى لا يُنسَى

نجيءُ إليكِ، يا مدينةَ الروحِ…

نكتبُ في الترابِ أسماءَنا وأسماءَ الجدودَا

نرفعُ الصلاةَ، نرفعُ الدعاءَ… نرفعُ الأملَا

حتى إذا طالَ الليلُ، عادت شمسُ القدسَا

وهنا القلوبُ التي لم تعرفِ الهزيمةَ

صارت نبضًا في كلِّ حيٍّ… وكلِّ زوايا

نجيءُ إليكِ، ونحملُ كلَّ الأماني

من غزةَ إلى الضفة… ومن كلِّ فجٍّ ضمَا

نحنُ الذينَ إذا شَرّدَ الغزاةُ الطهرَ

زرعنا الغدَ في العيونِ… فاستنارَا

نحنُ الذينَ إذا حرقوا البيوتَ

بَنَينا على الركامِ من نورٍ… أعظَمَا

نحنُ الذينَ إذا طالَ صمتُ القبةِ

أطلقنا التراتيلَ… فارتجتِ السما

نجيءُ إليكِ، يا قدسُ… يا صمودَ الأجيالِ

نرفعُ فيكِ الصلاةَ… ونزرعُ الإحسانَا

هنا القدسُ لا تقبلُ نصفَ حبٍّ

هنا القدسُ كلُّ القلوبِ… كلُّ الروحَا

نجيءُ إليكِ، لنكملَ المسيرةَ

نحملُ الحقَّ، نرفعُ الترابَ… نعلو السمَا