ألا هُبِّي بصوتِ الريحِ من حنجِ القصمِ
ولا تسكُتي إنْ نامَ سيفُ التَكتمِ
فإنّ الصدى قد عادَ يصرخُ حائرًا،
على طِفلِ رَوضٍ ما استراحَ من الهَمِّ
عَجِبتُ لِرَوضٍ فيهِ ذِئبٌ وحارسٌ،
وما بينَ طفلٍ والرماحِ تَزَحزُمِ
خُطانا صدى، والأرضُ نارٌ وجمرةٌ،
وشَمسُ الطفولةِ لا تُضاءُ بِمِشْعَمِ
بغزَّةَ تُجزى الطهرُ نارًا ومِحنةً،
كأنَّ الصباحَ رُسِمَ بالماءِ المُظْلِمِ
وتُكتمُ أنفاسُ الجياعِ بظلِّهم،
ويُسكَبُ صبرُ الطفلِ في كفِّ مأتمِ
بكَينا دُمانا في القناني صغارَنا،
ونرسمُ وجهَ الحلمِ في طينِ ملحَمِ
وفي الضفةِ الأخرى الحواجزُ أُسدُنا،
تُزاحمُ دفءَ العينِ بالرمحِ المُعلَمِ
تُراقبنا الأسلاكُ، تُسْكِتُ ضَحكةً،
كأنّ المُنى تُشنقُ بعهدٍ مُتَهَشِّمِ
إذا ما مَشينا قالَ ظلُّ سِياطِهمْ:
دعوا الطفلَ يُنسى، لا يُزارَ ولا يُنَمْ
ولكننا نحيا على شفةِ الشظى،
ونُوقدُ أحلامَ البقايا بعَزمِمِ
فما طالَ دهرٌ في النفوسِ إذا غدتْ
سيوفُ الطفولةِ في القلوبِ كَعَلقَمِ
نُطوّرُ منّا رغمَ كلِّ تضييقٍ،
ونبني على رملِ السرابِ تَعَظُّمِ
نُسافرُ في أرواحِنا، لا براحَنا،
كأنّا نسيرُ بلا ظلالٍ تُحَشّمِ
ويصرخُ ليلٌ كلّما لاحَ وجهُنا،
كأنّا جراحُ الأرضِ في قلبِ مُظْلِمِ
تُراكِمُنا الأيّامُ وَهْنًا وعُسْرَها،
فنصعَدُها جمرًا على نَفَسٍ ضَيِّمِ
ونَرسمُ بالأكبادِ ما لا يُرَى،
ونَحفرُ مجدَ الطفلِ في صدرِ مُلْجِمِ
فمن قال: “ضاعوا”، فذا نحنُ صُوّرٌ،
وإنْ غابَ ضوؤُ الحلمِ، نبقى بنَجْمِمِ
وُلدنا على ضلعِ الأنينِ كأنّنا
يتامى السنينِ، وخلفَنا رَيْتُونُ همْ
تُسرقُ أحلامُ الصغارِ بأعينٍ،
تُسطّرُ بالنيرانِ في جفنِ مُلْهِمِ
فلسنا حجارةً، كما ظنَّ من غَفَا،
ولكنّنا قلبٌ تَوارى برَكْمِمِ
كبرنا على وَقْعِ الرُّكامِ كأننا،
نُعمِّرُ من أشلاءِ دارٍ مُهدَّمِ
نُخبّئُ في صدورِ الغيابِ دُمانا،
ونحملُ أحلامًا تُشيَّعُ في عِصمِ
وننقشُ أسماءَ البقاءِ على الطُّلى،
كأنّا على جُدرانِنا لم نُهَزَّمِ
وفي الضفةِ الأخرى يُطاردنا المدى،
بكاميرا الغدرِ المدجَّجِ بالصَّمِ
ونحفرُ بالأقلامِ مِعراجَ ضوءِنا،
على صفحةٍ يُطفئْ سناها مُجرمِ
تُكْتَبُ في الكفِّ القصائدُ حينما،
يكونُ الدَّواةُ القلبُ، والدمُ يُرسِمِ
وكم من يتيمٍ لم يجدْ حضنَ والدٍ،
فنامَ على أهدابِ قهرٍ مُعَمَّمِ
تُطوِّفُهُ الأشواقُ بينَ وسائدٍ،
ولا ظلَّ إلا الدمعُ في حضنِ مَعدمِ
تُخبّئُ في دفترِ الرسمِ طلقةً،
وتحلمُ أن تمضي إلى الحقلِ مُبْسِمِ
وفينا من الموتى شهيدٌ يُؤرّخُ،
وفينا من الأحياءِ مَن لم يُبَسَّمِ
سَنَرفعُ خيمَ الأملِ فوقَ مدامعٍ،
ونُوقظُ من نومِ الظلامِ المُتَرَحِّمِ
وإن خاننا الغيمُ، استظلّت خُطانا،
بظلِّ اليقينِ، المُضيءِ، المُنَسَّمِ
ففي كلِّ جرحٍ نبتةٌ من كرامةٍ،
وفي كلّ ليلٍ فجرُنا المُتَقَدِّمِ
نجئنا على وهجِ القذائفِ واقفين،
كأنّا جدارٌ من عروقِ التَكَرُّمِ
فلا القصفُ يُفني في الضلوعِ ثباتَنا،
ولا الحقدُ يطمسُ مَبدأً مُتَقَدِّمِ
وإن مُسحتْ خرائطُنا من الدُّنا،
فنحنُ على الأرواحِ باقونَ مُختَمِ
ولو مزّقوا أقلامَنا ودفاترًا،
لخطّ الدما أسماؤنا في التَجَشُّمِ
نعانقُ ما بينَ الدُّموعِ رجاءنا،
ونبني على الأوجاعِ قصرَ التَعَظُّمِ
كأنّا نُغنّي حينَ تبكي رُبى الدُّجى،
ونرقى على الأشلاءِ دربَ التَقَدُّمِ
نُعيدُ الحياةَ من الغبارِ، كأنّنا
نُزيحُ الردى كي يبتسمْ كلُّ يَتيمِ
ونحملُ في الأكفانِ بذرةَ نخلةٍ،
إذا ما دفنّاها تُقيمُ المعاصِمِ
فلا الحزنُ يُطفئ في العيونِ صُغارَنا،
ولا الموتُ يمنعُ حلمَنا من تَرَحُّمِ
سنبقى، وإنْ جارَ الزمانُ علينا،
سِنامَ الصمودِ، وروحَ كلِّ مُعَلِّمِ
إذا الأرضُ ضاقَتْ بالرجالِ، فإنّنا
صغارٌ... ولكنّا نُساوي المَحازِمِ
نُكمّلُ مهما سالَ دمعُ جِراحِنا،
فما من جدارٍ يَستطيعُ تَقَسُّمِي!
ولا الركام يستطيع أن يدفنني!