نداءٌ مستغيثٌ شدَّ سمْعِي
صحوْتُ ورحتُ ألتمس الثِّيابا
وعادَ الصوت يُمطرُني رجاءً
عدوْتُ وإذْ بذاك الصوتِ غابا
فحرْتُ وتهتُ في أضغاث ظنّي
وعشتُ الرُّعب واشتقتُ الشّرابا
وعدتُ أشنِّفُ الآذان علّي
أرى بالأُذْن أو أمضي إيابا
دخلتُ التِّيهَ من أبواب ليلٍ
نتفتُ ظلامَه فبدا سرابا
فعدتُ على الثَّرى أجترُّ قلبي
لَحوْت الظنَّ صفَّدْتُ اللُّبَابا
شربتُ الكأس من نبضاتِ رُعبي
ثملتُ وكدتُ أفتقدُ الشبابا
عثرتُ بجسم مخلوقٍ مسجّىً
لكمْتُ الخوفَ عَجَّنُتُ اللُّعابا
نظرتُ إذا به «غسانُ» شِقِّي
غريقٌ في الدماء قضى وغابا
صرختُ بكلِّ صوتي بتُّ أبدو
كمصروعٍ كمن فقد الصوابا
وهاجمتُ الجنودَ لسوء حظي
وقعتُ بأسرِ مَن حَرَق التُّرابا
جحافلُ من ذُرى أهلي استماتوا
رمَوْا بالجند واخترقوا الحجابا
فأردى الجندُ - فيهم - كلَّ فذِّ
قتيلاً والبقيَّةَ قد أصابا
بنارٍ من بنادقَ ما استُغِلَّتْ
سُوى للقمع أو صَنَعتْ خرابا
وظلَّ الجرحُ مفتوحًا ويدمَى
طوى خمسين عامًا لا جوابا
سبحنا في كؤوس الحرب ذقْنا
شرابَ الموت غِسْلينًا مُذابا
وسال [الدمُّ] وانتُهكت بيوتٌ
شيوخٌ قُبِّحوا والطفل شابا
وصوتُ القدس مجروحٌ ينادي
سلامًا أين من يخشى الحسابا؟
غرقنا في ظلامٍ والتقينا
سرابًا جاع فالتهمَ الضّبابا
وشقَّ النورُ قلبَ الليل يُسْدِي
لنا نُصحًا بأن يكفي احترابا
وقال السّلمُ أجدى، الحربُ سُخْطٌ
يذيب الصخر يقتلع الهضابا
ألا عشتم وواقعَكم كرامًا
وأعددتم لآتينا العُجابا
تسامُوا واقتلوا الشّيطان فيكم
لعلّ الله يجزيكم ثوابا
فقلت وكيف أنسى جرحَ قلبي؟
فردَّ الصوت يكفينا اكتآبا
أنا المذبوحُ والمقتولُ أقضي
كفى للحرب وافتتحِ الكتابا
ولاح النور من ظُلمات ليلٍ
سلامٌ - قيل - للأكنان آبا
وعينُ الفجر قلَّعها بحقدٍ
وعضَّ الأرض واقتطف الرِّقابا
وكان الثأر واحترقت قلوبٌ
وسال [الدمُّ] مسفوحًا ورابا
مَنِ المسؤولُ عن صنع البلايا؟
مَنِ الغدَّار من غذَّى الكلابا؟
لوِ التّقتيلُ لم يُدعمْ بجندٍ
لما صنع الغرابُ لنا الخرابا
ولا وهنَ السلامُ ولا ظلِلْنا
نعبُّ النار أو نُسقى حرابا
إذا المذبوح أحرقَنا بعفوٍ
ألا اعتَبَرَ المذبَّحُ أو أنابا
تعالَوا قالبًا قلْبًا نُذرِّي
رمادَ الحرب نجتثُّ العذابا