يَبكي، وهَل في بُكاءِ الصَّبِّ مِن حَرَجِ؟
أمسى تَذَكَّر سَلمى بَعدَ ما صَرَمَتْ
والدَّهرُ ذو كُربَةٍ حِينًا، وذو فَرَجِ
إنْ كانَ ما بينَنا أَمْسَى حديثَ صِبًا
وأصبحَ الحَبلُ منكِ غيرَ مُندَرِجِ
فقد أُصيد غواني الحَيِّ أفتِنها
والطِّيب في أَرجِي، والسبج في دَعَجِي
وقد أَروحُ إلى الحانوتِ يَصحَبُني
صَحبي مِن الحَضر، والأعرابِ، والزُّنجِ
وقد أطوفُ خدورَ الغيدِ منتشيًا
والطيرُ واكنةٌ، والصبحُ لم يلجِ
وقد أَمُرُّ زُقاقًا، أو أَمُرُّ على
حَيٍّ، فتلْحَقُني النِّسوانُ كالهَمَجِ
يَلْحَقْنَني لَحقَ طَرّادٍ طَريدتَهُ
يَكدْنَ يَتْبَعْنَ طيب العِطرِ مِن أَرَجِي
فَإنْ أَرَدتِ اصرِمي حَبلي فما أَنا بال
سّاعي إليكِ ولا باللّاهِفِ اللَّهِجِ
فَعَنكِ لي شُغلٌ، ومِنكِ لي بَدَلٌ
بالغانياتِ ذَواتِ الدّلِّ والغَنَجِ
فلستِ آخِرَ مَن تَمشي على قَدَمٍ
ولستِ أوَّلَ مَن فارَقتُ فانْتَهِجي
سَتَقرَعينَ علي السِّنِّ مِن نَدَمٍ
وتَلْطِمِينَ علي الصَّدر مِن لَعَجِ
أَنْ لن تَري في رِجالِ الخَلقِ مِن رَجُلٍ
يُغْنِيكِ عنِّيَ، مِن عُربٍ ومن خَوَجِ
وَخَمرَةٌ حمْرَةٌ، حُلْواءُ، حامِضَةٌ
شَرِبتُها شُرْبَ ظَامي البِيدِ مُخْتَلِجِ
أَحمى مِنَ النارِ شَكلًا حينَ تُبصِرُها
وأَبْرَدٌ حينَ تُسْقاها، مِنَ الثَّلجِ
لِلحُزْنِ طارِدَةٌ، لِلأُنْسِ جالِبَةٌ
كَأَنَّها وَهَجٌ أُسْدَى عَلى وَهَجِ
كأنّها، وزُلالُ الماءِ يَقرَعُها،
كَوَاكِبٌ في سَدِيمٍ طُفْنَ مُنبَلِجِ
وأَرْمَدُ العَيْنِ، ما في عَينِهِ رَمَدٌ
عَيناهُ تُشبِهُ عَيْنَيْ ناقِفِ الحَدَجِ
يَبكي على خِلّةٍ خانَت، فقلتُ لَهُ:
دَأبُ الأوانِسِ جَحدُ العَهدِ والحُجَجِ
فَلا تَشَكَّ حَبيبًا كنتَ تَعْشَقُهُ
ما العشقُ إلا غرورُ الفارغِ السَذِجِ
والحُزْنُ! ما الحُزْنُ إلّا ما تُخَيِّلُهُ
لِلنَّفْسِ، والنَّفْسُ نبع الضِّيقِ والفَرَجِ
لا يَحْزُنُ النَّفْسَ إلّا النَّفْسُ تُصْدِقُها
فَاكذِبْ على النَّفْسِ،
بِالآمالِ تَبْتَهِجِ