عاد أبي
إلى البيت،
ورمى عشبةَ الخلود
إلى الطاولة.
لا حصرَ للقبل
الملطخة بكلماته
التي لم يقلها،
وهو يتخذُ ركناً قصياً
من المطبخ،
فيما أمي
تخرجُ من حجرة نومها،
لتهشَّ أسئلةَ الجيران
من رأسها
الذي يفورُ
كتنور الطوفان.
انكبّت فوراً
على حذائه
الملطخ بالأوحال
وبالمدن،
وعبثاً حاولت
أن تكشطَ منها
آثارَ الطريق
المؤدي إلى سيدوري،
ضرّتِه في النصائح.
لا شكَّ
أنه ما زال حزيناً،
ليس على أوروك
التي تهدّمت،
ونخرَ عمودَها الفقري
الغزاةُ والغبار،
ولا على تلك القرون،
القرون الطويلة،
التي هدرها ضائعاً
بين المنافي،
وإنما على رحيل
صديقه أنكيدو،
الذي كان يتسكعُ معه
في الحانات
وفي المقاهي،
أو يغازلُ بصحبته
نساءَ سومر الجميلات،
في مواكب النواح
على ديموزي.
وإلا ما سرُّ الدموع
التي سالت
من محجري عينيه التائهتين،
فخضّبت لحيته البيضاء؟
ما السبب
في أنه أخرجَ مسدسه،
فجأة،
وصوّبه نحو الأفعى
التي تسلقت المنضدة؟
ولماذا غيّر رأيه؟
لماذا غيّر رأيه،
كما في كل عودة،
فأعاد المسدس
إلى مكانه،
ثم قام،
لبسَ حذاءه
الذي عاد نظيفاً،
وخرجَ من البيت،
دون أن ينبس
ببنت شفة؟!