تخطَّ إلى المحتوى

حين انطفأت الحناجر

شعر التفعيلة

١٢٩ بيت

المتفرقات

حينَ انطفأتِ الحناجرُ

وتكسَّرتِ الأبجديةُ على أرصفةِ الصمت،

خرجَ الحرفُ الأخيرُ

محمولًا على أكتافِ المنافقين.

لم يمتْ الحرفُ دفعةً واحدة،

بل ماتَ متقطِّعًا

كقلبٍ يتعلَّمُ الخيانةَ نبضةً نبضة.

كانوا يلبسونَ وجوهًا من شمعٍ،

يذرفونَ دموعًا مصنوعةً

ويخفونَ تحتَ ألسنتِهم

خناجرَ البلاغة.

قالوا..

هذا الحرفُ كان طاهرًا…

وكانوا أولَ من دنَّسه.

قالوا..

كان صادقًا…

وكانت شفاهُهم

مقابرَ للصدق.

رأيتُ نعشَه

مصنوعًا من خشبِ المجازِ المكسور،

مسمَّرًا بتأويلاتٍ عرجاء،

مغطّىً بكفنٍ من خطبٍ رنانة

لا تقولُ شيئًا.

كان النعشُ خفيفًا جدًا…

كأنَّ الحرفَ

فرَّ قبلَ أن يُدفن.

المنافقونَ يحملونَه

بأيدٍ ترتجفُ من فائضِ الطهرِ المزيَّف،

يمشونَ ببطءٍ طقوسيٍّ

كي تمنحَهم الخطوةُ

وقتًا أطولَ للتمثيل.

كلُّ واحدٍ منهم

كان يحدِّثُ نفسَه...

كم يبدو الحزنُ جميلًا

حينَ يصفِّقُ له الناس.

الريحُ وحدها

كانت تعرفُ الحقيقة.

كانت تضحكُ من مواكبهم،

تبعثرُ أوراقَ خطاباتهم،

وتكشفُ تحتَ عباءاتهم

جثثَ الكلماتِ التي قتلوها.

يا جنازةَ الحرف…

أيُّ موتٍ هذا

الذي يجيءُ محمولًا بالتصفيق..

أيُّ قبرٍ هذا

الذي يحفرهُ المديح...

وأيُّ صلاةٍ

تُتلى بألسنةٍ

لم تعرف يومًا معنى الإيمان..

في الطريقِ إلى المقبرة

سقطتْ من النعشِ

بقايا المعنى.

انحنى أحدُهم

يلتقطُها بسرعة،

أعادها إلى جيبهِ،

وقال للناس..

هذا أثرٌ مقدَّس.

كانوا يتناوبونَ البكاء،

كما يتناوبُ الليلُ والنهار،

لكنَّ الدمعَ

لم يكن يبلِّلُ الأرض،

كان يبلِّلُ فقط

صورتهم في أعينِ الآخرين.

تحتَ النعشِ

كان الحرفُ يسمعهم،

يرى وجوههم من شقوقِ الخشب،

ويفكِّرُ..

ما أثقلَ أن يُشيِّعكَ قاتلوك.

في المقبرةِ

اصطفَّت الكلماتُ الباقيةُ

ترتجفُ كأيتامٍ،

تخافُ أن يأتي دورُها.

الصمتُ كان إمامَ الصلاة،

والكذبُ كان المؤذِّن،

والحقيقةُ

كانت غائبةً

كعادتها.

حينَ أنزلوهُ في التراب،

لم يسمعِ الترابُ وصيَّتَه.

قال الحرفُ قبلَ موته..

لا تدفنوني…

ازرعوني.

لكنَّ المنافقين

لا يعرفونَ الفرقَ

بينَ البذرِ والدفن.

ردموا القبرَ

بطبقاتٍ من المديح،

ورصُّوا فوقهُ

شواهدَ من شعارات،

وكتبوا..

هنا يرقدُ الصدق.

فضحكَتِ الأرضُ من تحتهم،

واهتزَّتْ قليلًا

كأنها ترفضُ الشهادة.

ليلًا…

حينَ انصرفَ المشيِّعون،

خرجَ الحرفُ من قبره.

لم يكن ميتًا،

كان مختنقًا فقط

برائحةِ النفاق.

خرجَ ضعيفًا،

مكسورَ الصوت،

لكنَّه كان حيًّا

كجمرٍ تحت الرماد.

قال للصمت..

علِّمني كيف أعودُ نقياً.

وقال للريح..

احمليني بعيدًا

عن أفواهٍ

تلبسُ المعنى قناعًا.

ومنذ ذلك الحين،

صار الحرفُ يتخفَّى

في صدورِ الغرباء،

يظهرُ فجأةً

في عيونِ طفل،

أو في رعشةِ عاشق،

أو في وجعِ شاعرٍ

يرفضُ أن يبيعَ صوته.

أما المنافقون…

فما زالوا

يحملونَ نعشًا فارغًا،

يجوبونَ به الشوارع،

يبكونَ على موتِ شيءٍ

لم يستطيعوا قتله.

وكلَّ يومٍ

يشيِّعونَ حرفًا جديدًا،

وكلَّ يومٍ

يولدُ المعنى

من قبرٍ آخر