في عمقِ محبرةٍ سوداءَ…
لا تشبهُ الليلَ ولا تشبهُ البحر…
هناك…
تتنفّسُ الأقلامُ كائناتٍ من حبرٍ قديم،
تتحركُ كأنها أفكارٌ خرجت عن طاعةِ أصحابها،
ونسيتْ من كان يكتبُها أولَ مرة…
هنا…
لا فرقَ بين يدٍ وورقة،
لا فرقَ بين شاعرٍ وجملةٍ لم تكتمل،
كلُّ شيءٍ يكتبُ نفسه بنفسه،
وكلُّ شيءٍ يمحو ذاته وهو يظنُّ أنه يولد.
في القاع…
تسبحُ الكلماتُ كأسرارٍ لم تُفكَّ شيفرتها،
تتكسّرُ الحروفُ ثم تعودُ لتلتحم…
لكن على شكلِ أسئلة،
لا تُشبهُ الإجابات.
أقلامٌ…
ليست أقلامًا،
بل عظامُ أفكارٍ لم تُدفن جيدًا،
تنهضُ كلَّ ليلة،
وتخدشُ جدارَ الصمتِ في المحبرة،
كأنها تبحثُ عن خروجٍ…
ولا تدري أن الخروجَ هو موتها.
ومن جهةٍ لا تُرى…
يتدلّى الضوءُ كخيطٍ خائف،
يحاول أن يلمسَ السطح…
لكن الحبرَ يسحبه إلى الأسفل،
ويقول له:
هنا لا يُسمحُ للمعنى أن يهرب.
في العمق…
تتجادلُ الكلماتُ عن أصحابها،
هذا يقول: أنا قصيدةُ حُبٍّ ضاعت،
وذاك يقول: أنا اعترافٌ لم يجرؤ أحدٌ على نطقه،
وثالثٌ يضحك: أنا كذبةٌ صدّقها كاتبٌ وبكى لأجلها.
ثم…
تحدثُ الزلزلة.
المحبرةُ لا تهتز…
لكن ما فيها يرتبك،
تتداخلُ الأزمنة،
ويكتبُ الماضي جملةً عن المستقبل،
ثم يمحوها الحاضرُ دون أن يفهم.
أقلامٌ تمشي على رؤوسها،
تغرسُ نفسها في الحبر أكثر،
كأنها تبحثُ عن غرقٍ كامل،
عن ذوبانٍ لا عودةَ بعده،
عن اختفاءٍ يُشبه الحقيقة.
وهناك…
في نقطةٍ لا تُرى،
يولدُ صوتٌ بلا حرف،
يقول:
“كلُّ ما كتبتموه… لم يكن لكم.”
فتصمتُ الأقلام.
لكن الصمت…
ليس نهاية،
بل بدايةُ كتابةٍ أخرى…
أكثر جنونًا.
الحبرُ يرتفع…
كأنه يحاول أن يخرج من ذاته،
يصيرُ سماءً صغيرةً داخل محبرة،
تسقط فيها النجومُ كعلاماتِ ترقيمٍ مكسورة.
والأقلام…
تضحك.
نعم… تضحك بطريقةٍ لا تُفهم،
ضحكٍ يشبه البكاء،
أو يشبه ولادة فكرةٍ لا تريد أن تُسمّى.
وفي لحظةٍ فجائية…
ينقلبُ الداخلُ إلى خارج،
وتنقلبُ المحبرةُ إلى كونٍ،
وتنقلبُ الكلماتُ ..
إلى كائناتٍ تمشي خارج الورق لأول مرة.
لكن…
كلما خرجت كلمة…
مات جزءٌ من الكاتب.
وهنا فقط…
نفهم السر:
أن الكتابة ليست فعلًا بريئًا…
بل عمليةُ تسريبٍ من الروح إلى الحبر،
وأن كلَّ قلمٍ…
هو جرحٌ يتظاهر بأنه أداة.
في النهاية…
لا تبقى محبرة،
ولا تبقى أقلام،
ولا يبقى حتى المعنى.
يبقى فقط…
أثرُ كتابةٍ لم تُكتب بالكامل،
وصدى جملةٍ…
ما زالت تحاول أن تولد..
في مكانٍ ما داخلنا.