أرى كل طيرٍ غرَّدتْ تستفزني
عدمتُ شوادي الطير ما لي وما لها
وإن بارقًا أبصرتُ أَجَّجَ زفرتي
وإن أشرقتْ شمسٌ ذكرتُ زوالها
وإن حرَّكتْ أيدي النسائم ساكنًا
خشيت على أوصال قلبي انفصالها
وترمي قِسِيُّ الفجر أفئدةَ الدُّجى
فأشكو كما تشكو النجوم نبالها
أُنَهْنِهُ من دمعي إذا الشمس آذنت
بغرب وذيل الأفق وارى مثالها
وبي هاجسٌ من كل لوحة فطرة
أُشاهد معناها وأقدر حالها
فتحزنني هذي وتلك تسرني
وكلٌّ معانٍ قد جهلت مآلها
كأنيَ صب تيَّمته مليحة
فصار يرى في كل شيءٍ خيالها
ولا ظبيَ لي أشكو إليه جناية
عليَّ ولا خود أروم وصالها
أظن لروحي من ورائيَ غادة
وقد حجبت عَنِّي لأمر جمالها
بعمرك ما سر الوجود بغامض
وإن جهلتْ منَّا اليمين شمالها
وما سترت شمس الحقيقة نورها
وإن عميت أبصار قوم حيالها
وما هذه الأكوان مزحة عابث
ولو فقه الإنسان هاب جلالها
حرام على الإنسان يشقى بعقله
وعار إذا ترضى الهداة ضلالها
مهيب صدى الأفلاك في قبة الدجى
تسائلنا هل من يجيب سؤالها
وفي ساحة الأرواح نغْمة شاعر
تميد به الدنيا إذا هو قالها
متى يخلع الإنسانُ ثوب غروره
وتلبس نفس بعد نقص كمالها
تَبطَّن غيًّا واستباح محرَّمًا
وحرَّم من هذي الحياة حلالها
فلو نطقت أرض شكت من سمائها
وحتى سهول الأرض تشكو جبالها
تسيل دموعي رحمةً لبني الورى
فرُحماك ربي اقتصَّ ممن أسا لها
أعوذ برب الأرض من شر أهلها
ومن عثرات للورى ما أقالها
وما ينجلي خير الحياة وشرها
إذا لم يُجرِّد مجتلوها نصالها