تخطَّ إلى المحتوى

جاءتني جريا ولها أنفاس

مجزوء الكامل

٣٨ بيت

النسيب

جاءتني جريًا ولها أنفاسٌ

تتقطَّعُ مثلَ غزالٍ مذعورِ

والدمعُ على خدَّيْها قطراتٌ

تتلألأ بيضاءَ مثلَ البلورِ

ظَبْيٌ يتمايلُ إذ داعَبَتْ كتِفَيْها

أمواجُ الشعرِ الجَعْدِ المنثورِ

آنِسةٌ يتسامى من وَحْيِ صباها

آياتٌ تُتلى بكتابٍ منشورِ

في عينيها بحرٌ أزرقُ يتمادى

عمقُه في وجداني طُغْيانًا ويمورُ

عيناها لن ترى مِثْلَيْهِما

قَسَمًا بالله وبالبيتِ المعمورِ

عينانِ ينبضُ في قَعْرَيْهِما

حُلْمٌ ذو أشجانٍ وسُرورِ

نبرتُها ألحانُ بَنانٍ، موسيقى

في عُرْسٍ تُنْشَدُ بالوقعِ المسرورِ

نظرتْ والشكُّ يساورُها

خَوْفَ مصيرِ صباها المجهولِ

فوق جبينها خالٌ دُرِّيٌّ

يلمعُ كالماسِ المصقولِ

قالتْ والعَبْرةُ تَخْنُقُها:

"كيف تودِّعُنا جِهارًا بفتورِ؟

إذ نَضِجَ الحبُّ وأيْنَعَ

في صدري وِجْدانًا وشُعورا

وسارَ النهرُ الخالدُ في حبِّكِ

أمواجًا تَسْري وتمورُ

صمتُك هذا، يا فرحةَ عمري،

يُؤرِّقُني خَشْيَةَ هِجْرانٍ ونُفورِ

يا زهرةَ رَوْضي، مَعْذرةً، فسمائي

مُلَبَّدةٌ وطريقي قَفْرٌ مَهْجورُ"

قالت: "يا حبي لا تَرْحَلْ، عُهودُك

ما زالت في صدري وَعْدًا مَبْرورا

يا أَلْفَ ربيعِ العمرِ أَجيبيني:

هل يَرْجِعُ قلبي مَخْذولاً مَدْحورا؟

أهكذا يا حبي الأوحدُ ثانيةً

زَمَني أيامٌ شَتَّى تأتي وتَدورُ؟

من بعدِك أَبْقى عذراءَ، وليالي

الدهرِ تُكابِدُها أحزانٌ وسُرورُ

أذكرُ كيف شَرِبْنا من نَهْرِ

الحبِّ كؤوسًا من شَهْدٍ وخُمورِ

ومشيتُ كثيرًا في دُرُوبِ

الحبِّ الأبْهى نَشْوانًا بِحُبورِ

وبَنَيْنا في الأحلامِ لعينيك

أبراجَ خيالٍ كُبْرى وقُصورا

يا فرحةَ عمري ما وَدَّعْتُك

لو كنتُ غَنِيَّ الحالِ ومَيْسورا

حَسْبي من حبِّك ذِكْرى

أزهارًا ذَبِلَتْ، أريجًا وعُطورا

لا بل أصبَحْنا سوى ماضٍ:

كلماتٍ من حِبَرٍ فوقَ سُطورِ

لو مَرَّتْ في الخاطرِ ذِكْريك يومًا

عُدْتُ إلى أهلي فَرْحانًا مَسْرورا

عُدْنا بعد رَحيلِ العمرِ، وبيني

وبينَك حالَتْ قِيعانٌ وبُحورُ

كيف لِقْيانا وقد حالَتْ

دوني سِنونًا وعُصورُ؟

وحبُّك سيدتي ما زال

كتابًا في صدري مَنْشورا

جَمْرًا يتلظى حبُّكِ في

ساحاتِ القلبِ المَهجورِ"

قالت: "أَسَفًا يا حبي ما جئتُ

اليومَ به أَمْرٌ ممنوعٌ مَحْضورُ

لا تَخْشَ أقوالَ الناسِ، إنْ عَهْدًا

يا حبي أَمْرُك ماضٍ مَكْتومٌ مَسْتورُ

عُصفورُ الشوقِ يُرَفْرِفُ في

دُنيا سَمَّاها أقمارٌ وبُدورُ

لكن أَسَفًا دُنْيانا غادِرَةٌ، تَسْبَحُ

في متنيها عِقْبانٌ وصُقورُ

أقلامي وعيناك سماءٌ مُمْطِرَةٌ

أَلَقٌ يَسْقيها سِحْرُ سَناكِ المَوْفورُ

سَقَطَتْ أيامي سَهْوًا في الدنيا،

وهي غدًا تَلْقاني بلَوْحٍ مَنْشورِ

عُدْتُ بِتَرْحالي مُبْتَهِجًا، وسَنى عينيك

ببغداد صَحائِفُ تُتْلى بحُروفٍ من نورِ

أوهامٌ تَتَلاشى عَمْدًا في بحْرٍ

فوقَ حُطامِ الأملِ المَكْسورِ