قُمْ للْمُعلِّم وفِّهِ التّبْجيلا
وانْثُرْ على أفضالِهِ إكليلا
الْمُشْعلِ الفانوسَ والقِنْديلاَ
والجاعلِ العلْمَ المنيرَ دليلا
وأعدْ مقالاً بُكْرةً وأصيلاَ
كاد الْمعلّمُ أنْ يكونَ رسولا
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي
أسْدى الْعطاءَ ولَمْ ينلْ أوْ يأخُذِ
إلا المتاعبَ باحثًا عنْ منفَذِ
لا يرتجي إلا مرامَ المنْقذِ
يشقى ويسعى جاهدا بتلذُذِ
يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا
سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمِ
أوحيْتَ آياتِ الكتابِ المحكمِ
لنبيّكَ المعصومِ نور الأنجُمِ
يهدي الحيارى في الطريق المُظْلِمِ
اقرأْ لكلِّ الخلْقِ أطيبُ بلْسَمِ
عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى
أَخرَجتَ هَذا العَقلَ مِن ظُلُماتِهِ
وجعلْتَ حبَّ العلْمِ خيرَ صفاتِهِ
وَحفظْتَ أهلَ الخير من نزواتهِ
وَحصَرْتَ في العلماءِ طوْقَ نجاتهِ
وَقضيْتَ في أتعابهمِ بركاتهِ
وَهَدَيتَهُ النورَ المُبينَ سَبيلا
وَطَبَعتَهُ بِيَدِ المُعَلِّمِ تارَةً
تروي النفوسَ بحارُهُ مدْرارَةً
وَجعلْتَها في صنعهِ محْتارَةً
يهدي ويغرسُ قدْرةً جبّارَةً
في أنفسٍ قدْ أقبلَتْ مختارةً
صَدِئَ الحَديدُ وَتارَةً مَصقولا
أَرسَلتَ بِالتَوراةِ موسى مُرشِدا
ليزيلَ عنْ عرش الضَّلال من اعتدى
فَمَضَى إلى فرْعَوْنَ لا يخْشى الرَّدَى
يمحو الْعبابُ لِمَنْ تجبَّرَ سُؤْدُدا
وَأتى قضاءُ الله يرسلُ أحْمَدا
وَاِبنَ البَتولِ فَعَلِّمِ الإِنجيلا
وَفَجَرتَ يَنبوعَ البَيانِ مُحَمَّدا
مَلَكَ العقولَ وَفاضَ يعتصرُ المَدى
وَيهدُّ ركْنًا للضلالة شُيِّدا
وَيشيعُ في أمِّ القرى نورَ الْهُدى
ويُقيمُ للتوحيدِ فيها مسْجدا
فَسَقى الحَديثَ وَناوَلَ التَنزيلا
عَلَّمتَ يوناناً وَمِصرَ فَزالَتا
عنْ كلِّ غيٍّ فيهما وَتعالتا
وإذا هُما في كلِّ عصْرٍ بانتا
أممًا على عرش المعارفِ سادتا
وأقامتا أسّ الحضارَةِ رامتا
عَن كُلِّ شَمسٍ ما تُريدُ أُفولا
وَاليَومَ أَصبَحَتا بِحالِ طُفولَةٍ
والعيْشُ بين صعوبَةٍ وسُهُولَةٍ
وأضاعتا مجْدًا وعهْدَ فحولَةٍ
ويْحَ الرّكابِ تسيرُ غيْرَ عَجُولَةٍ
لوْ نالتا عزًّا ببعضِ سُيُولَةٍ
في العِلمِ تَلتَمِسانِهِ تَطفيلا
مِن مَشرِقِ الأَرضِ الشَموسُ تَظاهَرَتْ
بالمكرماتِ وللمعالي سافرَتْ
وعلى العلومِ النيّراتِ تطايَرَتْ
شُهُبًا على بذل الجهود تضافَرَتْ
عنْ حفْظِ ٱثار تضيعُ تناصَرَتْ
ما بالُ مَغرِبِها عَلَيهِ أُديلا
يا أَرضُ مُذ فَقَدَ المُعَلِّمُ نَفسَهُ
ملأ الزّمانُ بما يُجرُّعُ كأسَهُ
ورأى اللئامُ اليأسَ يحفرُ رَمْسَهُ
وبكى على مكر الأسافلِ درْسَهُ
وخلا الرّجاءُ وكْنتِ دوْمًا شَمْسَهُ
بَينَ الشُموسِ وَبَينَ شَرقِكِ حيلا
الجَهلُ لا تَحيا عَلَيهِ جَماعَةٌ
أبدًا ولا تهبُ الرّخاءَ بضاعَةٌ
أوْ تُرْتجى من ناصريهِ شفاعَةٌ
والدهْرُ في ظنِّ المكافحِ ساعَةٌ
يُعلى بها صرْحٌ وتؤتى طاعةٌ
كَيفَ الحَياةُ عَلى يَدَي عِزريلا
وَاللَهِ لَولا أَلسُنٌ وَقَرائِحُ
في كلِّ قلبٍ منْ صداها صادحُ
إنّ المعلّمَ بالفضائلِ صالحُ
يسقي الزروعَ ولا تفيه مدائحُ
ولَهُ إلى خير الطباعِ نصائحُ
دارَت عَلى فِطَنِ الشَبابِ شَمولا
رَبّوا عَلى الإِنصافِ فِتيانَ الحِمى
كيْ يجعلوهُ للمعالي سُلّما
ويُقارعوا أمْرًا عصيًّا مُؤْلمَا
يسقي ضعافَ الرِّأْيِ مُرًّا علقَما
فإذا تربّوا أنْ يطيقوا المغْرَما
تَجِدوهُمُ كَهفَ الحُقوقِ كُهولا
وَإِذا أُصيبَ القَومُ في أَخلاقِهِم
واستَحْسنوا الإسرافَ في أذواقِهمْ
وَاسْتوْلَتِ الدنيا على أعناقِهِمْ
وتناقصَ المعروفُ في أرزاقهمْ
وتمكّنَ التّسْويفُ من إغراقِهِمْ
فَأَقِم عَلَيهِم مَأتَماً وَعَويلا
فَكِلوا إِلى اللَهِ النَجاحَ وَثابِروا
وتعاونوا وتضامنوا وتناصروا
وَتسلّقوا الأسوارَ لا تتناحروا
وامضوا بلا وجلٍ وكلٌّ صابرُ
وابنوا الصروحَ لكي يقومَ الناصرُ
فَاللَهُ خَيرٌ كافِلاً وَوَكيلا