نَبَأٌ عَجِيْبٌ ذَاعَ وَانْتَشَرَا
وبِصِدْقِ فَحْواهُ قَدِ اشْتَهَرَا
قَالَتْ مَصَادِرُ أَهْلُهَا ثِقَةٌ
قَمَرٌ صِنَاعِيٌّ قَدِ انْتَحَرَا
قَدْ كانَ جاسُوسًا يُرَاقِبُنُا
ويُصَوِّرُ الأَحْلامَ وَالْفِكَرَا
زَرَعُوا بِهِ شَتَّى بَدائِعِهِمْ
لِيُطَالِعَ الأَسْرارَ مُقْتَدِرَا
فَيَكَادُ يَرْصُدُ مِنْ بَرَاعَتِهِ
ما فِي الضَّمائِرِ كانَ مُسْتَتِرَا
ويَدُورُ فِي الْغُرُفَاتِ يَفْحَصُهَا
فِي كُلِّ جُزْءٍ يُمْعِنُ النَّظَرَا
ويُعِدُّ أَخْباراً مُصَوَّرَةً
لِلشَّيْءِ مَهْمَا حَجْمُهُ صَغُرَا
فَرَأَى عَجَائِبَ مِنْ سَخَافَتِنَا
مَلأَتْ خُطُوطَ مَدَارِهِ ضَجَرَا
لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ مُهِمَّتِهِ
إِلاَّ انْبَرَى يَتَقَيَّأُ الْكَدَرَا
ويَشِيطُ غَيْظاً مِنْ تَفَاهَتِنَا
حَتَّى يَكَادَ يَخِرُّ مُنْصَهِرَا
كَمْ غَاصَ فِي أَعْمَاقِ خَيْبَتِنَا
بَحْثاً عَنِ الْقَاعِ الَّذِي انْدَثَرَا
هَتَفَتْ بِهِ الْعَدْوَى تُحَذِّرُهُ
فَإِذَا بِهِ يَرْتَدُّ مُنْذَعِرَا
أَلْقَى إِلَيْهِمْ بِاسْتِقَالَتِهِ
وعَنِ الْمَنَاصِبِ كُلِّهَا اعْتَذَرَا
أَضْرَتْ مَهَازِلُنَا تَقَزُّزَهُ
حَتَّى تَجَنَّبَ أَنْ يَرَى بَشَرَا
فَأُعِيْدَ وَالأَسْوَاطُ تَجْلِدُهُ
لِيُنَفِّذَ الأَمْرَ الَّذِي صَدَرَا
لَمْ تَدْحَرِ الْبَطَرَ انْتِفَاضَتُهُ
رَأْيُ الْعَصَا الْمَجْنُونَةِ انْتَصَرَا
لَمْ تُوقِظِ الْعَطْفَ اسْتِغَاثَتُهُ
لِلضَّعْفِ صَوتٌ ضَائِعٌ هَدَرَا
لَمْ يَبْقَ إِلاَّ الدَّمْعُ يَسْكُبُهُ
كَالسَّيْلِ فَوقَ رُؤُوسِنَا انْهَمَرَا
قَالَتْ مَرَاصِدُنَا تُبَشِّرُنَا:
مَطَرٌ يَشُقُّ بِأَرْضِنَا نَهَرَا
لَوْ لَمْ تَكُنْ أَحْوَالُنَا صَلَحَتْ
مَا كانَ رَبُّكَ أَنْزَلَ الْمَطَرَا
لَمْ تُسْعِفِ الْقَمَرَ ابْتِسَامَتُهُ
كَيْفَ السَّبِيْلُ وَقَلْبُهُ انْكَسَرَا
ما أَبْصَرَ الْمِسْكِيْنُ سِحْنَتَنَا
حَتَّى اسْتَسَاغَ الْمَوتَ مُنْتَحِرَا
فِي كُلِّ عَيْنٍ صَحَّ ناظِرُهَا
كانَ انْتِحاراً مُفْعَماًً عِبَرَا
لَمْ تَنْهَضِ الدُّنْيَا لِتُعْلِنَهُ
إِلاَّ وَكَانُوا زَيَّفُوا الْخَبَرَا
فَتَوَالَتِ الأَنْبَاءُ قَائِلَةً:
قَمَرٌ صِنَاعِيٌّ قَدِ انْفَجَرَا