_ لماذا يكون جهدي خاسراً ؟ و أنى المكسب ؟ و لا أفكر في الغد و يستغرقني الغم .
_و استمع إلى أنين البلبل و كلي آذان صاغية ، يا رفيقي أنا أيضاً وردة ظلت صامتة .
_و قد تعلمت الجرأة من حرارة شعري ، و أشكو الله ! فليملأ التراب فمي .
_حقاً نحن مشهورون في سلوك الطاعة ، و مجبورون أن نروي حكاية الألم .
_نحن كالنغم الصامت المليء بالأنين ، و لو فاض الأنين على الشفاه فنحن معذورون .
_ يا رب ! اسمع شكوى أرباب الوفاء ، لتصغِ قليلاً إلى شكوى من في طبعهم حمدك .
_لقد كانت ذاتك القديمة منذ الأزل ، و كانت الوردة زينة الروضة ، لكن أريجها لم يتضوع .
_فلتخبرني يا صاحب الألطاف الكثيرة ، كيف يتضوع الشذى لو لم يكن هناك نسيم ؟
_لقد كان اجتماعنا بسبب اضطراب الخاطر ، و إلا لأصيبت أمة حبيبك بالجنون .
_ و كان مشهد الحياة قبلنا عجيباً ، كانوا يسجدون للحجر في مكان و يعبدون الشجر في آخر .
_ لقد تعود نظر الإنسان على الهيكل المحسوس ، فكيف لهم أن يؤمنوا دون أن يروا الله .
_أنت تعرف هل كان هناك من يذكر اسمك قبلنا ؟ لقد تحقق هذا الأمر بقوة سواعد المسلمين .
_كان السلاجقة و التورانيون يعيشون هنا ، و الصينيون في الصين و الساسانيون في إيران .
_و كان اليونانيون يقطنون أيضاً في هذه الأماكن ، و اليهود و النصارى كانوا أيضاً في هذه الدنيا .
_فمن ذا الذي حمل السيف لإعلاء اسمك ؟ و من ذا الذي أصلح الأمور الخاطئة ؟
_نحن و حدنا الذين دخلنا المعركة من أجلك ، و حاربنا في البر أحياناً ، و في البحر أحياناً أخرى .
_و رفعنا الأذان حيناً في كنائس أوربا ، و حيناً في صحارى إفريقيا القاحلة
_لم نأبه بشأن ملوك الدنيا فكنا نكبر تحت ظلال السيوف .
_كنا نعيش من مكاره الحروب ، و نموت في سبيل عظمة اسمك .
_ لم نكن نتلقى السيوف طمعاً في الحكم ، و لم نكن نحمل رؤوسنا على أكفنا في سبيل المال .
_و إن كان قومنا يموتون من أجل المال و الذهب ؛ فلماذا حطموا الأصنام بدلاً من بيعها ؟
_و لم تتزعزع أقدامنا عندما يُحمى و طيس المعركة ، و إن تزعزعت أقدام الأسود في الميدان .
_و لو تهجم عليك أحد لأجهزنا عليه ، ما السيف ؟ لقد كنا نحارب المدفع .
_لقد حفرنا كلمة التوحيد في كل قلب ، و أبلغنا هذه الرسالة تحت الخنجر .
_فقل لي من ذا الذي اقتلع باب خير ؟ و من الذي فتح مدينة قيصر ؟
_و من الذي حطم تماثيل الآلهة ؟ و من الذي شتت شمل جيش الكفار ؟
_و من الذي أخمد معبد النار في إيران ؟ و من الذي أحيا ذكر الإله مرة أخرى ؟
_و من هم القوم الذين كانوا يريدونك لذاتك فقط ، و تحملوا من أجلك الصعاب و المحن .
_و أي سيف فتح العالم و سخره ؟ و أي تكبير أيقظ دنياك ؟
_و أي رهبة تلك التي اهتزت منها الأصنام ؟ و كانت تضغط على الوجه و تقول " هو الله أحد ".
_و لو حان وقت الصلاة أثناء المعركة استقبل أهل الحجاز القبلة و قبلوا الأرض .
_و وقف كل من السلطان محمود و غلامه إياز في صف واحد ، و لم يعد هناك سيد و لا عبد .
_فالعبد و السيد و الفقير و الغلام صاروا جميعاً سواسية ، و عندما وصلوا إلى بلاطك توحدوا كالكأس .
_لقد داروا في محفل الكون و المكان وقت المساء و السحر ، و تناولوا خمر التوحيد و انتشوا .
_حملنا رسالتك و درنا بها في الجبال و الصحارى ، و تعلم أننا لم نرجع مرة خاسرين .
_ما الصحراء ؟ نحن لم نترك البحار كذلك ، و جعلنا بحر الظلمات ميداناً لخيولنا .
_أزهقنا الباطل من صفحة الدهر ، و حررنا بني بشر من العبودية .
_ و عمرنا كعبتك بجباهنا ، و حفظنا مرآتك في صدورنا .
_و رغم هذا تتهمنا بعدم الوفاء ، لو لم نكن أوفياء فأنت كذلك لست حبيباً .
_توجد أمم كثيرة فيها من العصاة و المذنبين ، و فيها كذلك العاجزون و
من انتشوا بخمر الكبرياء .
_منهم الخاملون و الغافلون و العقلاء و منهم آلاف يتبرمون من اسمك .
_إن رحمتك تهبط على منازل الأغيار، بينما البرق يصعق المسلمين الذين لا حيلة لهم .
_الأصنام في المعابد تقول إن المسلمين ذهبوا ، و هم مسرورون لرحيل حماة الكعبة .
_كما رحل حداة الإبل عن منزل الدهر ، لقد رحلوا واضعين القرآن تحت إبطهم .
_إن الكفر يطلق الضحكات ساخراً ؛ فهل تدرك ذلك أو لا ؟ و هل تكترث بتوحيدك أم لا؟
_هذه ليست شكوى ممن لا يعرفون أسلوب الحديث ، فخزائنهم عامرة في المجلس .
_هذا هو القهر بعينه ؛ فالكفار يجدون الحور و القصور ، بينما المسلم المسكين قد وعد بالحور فقط .
_ و الآن أين عنايتك و رحمتك ؟! و الحقيقة أنا لم نعد نتلقى الود كما كان من قبل .
_فلماذا لا يحصل المسلمون على أموال الدنيا ؟ فقدرتك ليس لها حد و لا حساب .
_تستطيع أن تحمل الحباب في صدر الصحراء ؟ و تلقي بأمواج ماء السراب على عابر سبيل الصحراء .
_الأغيار (يشككون) و توجد فضائح و عوز ، فهل الذلة هي مكافأة الموت في سبيل إعلاء شأنك ؟
_و الآن صارت الدنيا تحب الأغيار من دوننا ، و لم يبق لنا منها إلا عالم السراب .
_وودعنا الدنيا ، و تسلمها الآخرون ، فلا تقل إن الدنيا صارت خالية من التوحيد .
-و نحيا في هذا العالم لكي يبقى اسمك فيها ، فهل ممكن أن يبقى الكأس و لا يبقى الساقي ؟
_لقد انقضَّ مجلسك و رحل عنه من أحبوه كذلك ، و رحلت منه آهات الليل و أنين الصباح .
_كما رحل الذين منحوك قلوبهم و نالوا عطاياهم ، و جادوا دون أن يجلسوا فيه بل طردوا منها .
_ و حضر العشاق و رحلوا حاملين معهم وعود الغد ، و أنا أبحث عنهم الآن في ضوء محياك البهي .
- لم تزل معاناة ليلي كما هي ، و ضلوع قيس محطمة كما كانت ، و الغزال شارد في صحارى نجد و جبالها كما كان .
_و قلب العشق كما هو ، و سحر الحسن على حاله ، و أمة أحمد المرسل كما هي ، و أنت ايضاً كما كنت .
_و ما معنى هذا التبرم الذي لا سبب له ؟ و ما معنى نظرة الغضب على عبيدك ؟
_فهل تخلينا عنك ؟ أو تخلينا عن الرسول العربي ؟ و هل تركنا تحطيم الأصنام و جعلنا من نحت الأصنام مهنة لنا ؟
_و هل تركنا العشق و السعي خلفه ؟ و هل تركنا عادة سلمان الفارسي و أويس القرني ؟
_ما زالت نيران التكبير تستعر في صدورنا إلى الآن ، و ما زلنا نعيش مثل بلال الحبشي .
_أجل فإن العشق لم يعد على الطريقة القديمة ، و لم نعد نطوي طريق الطاعة و الرضاء .
_و القلب كذلك لم يعد يخفق ناحية القبلة ، و لم نعد نلتزم بقوانين الوفاء .
_ و أنت تميل ناحيتنا حيناً و إلى الأخرين حيناً ، هذا كلام لا يقال فأنت لست واضحاً في حبك .
_لقد أكملت الدين على قمة جبل فاران ، و ملكت قلوب الآلاف بإشارة واحدة .
_و ألقيت نتاج العشق في النار ، و أشعلت النار في المجلس بحرارة خدك .
_لماذا لا تولد الشرر في قلوبنا اليوم ؟ ألا تتذكر أننا أنفسنا محروقي المتاع .
_و لم يعد هناك صخب للسلاسل في وادي نجد ، و لم يعد قيس متيماً بمشهد المحفل .
_و لم تبق الشجاعة ، و لم نبق نحن ، و لم يبق القلب ، و صار المنزل مهجوراً ، و لم يبق شيء من رونق المجلس .
_و ما أسعد ذلك اليم الذي تأتي فيه إلينا مدللاً ، و ترجع إلى مجلسنا بدون حجاب .
_إن الأغيار يجلسون على شاطئ النهر يعاقرون الصهباء ، و يستمعون إلى هديل اليمام و الكؤوس بأيديهم .
_و منهم من يجلس في ناحية بعيداً عن ضوضاء الروضة ، و هم مفتونون بك يجلسون في انتظار " هو" .
_فلتهب الشوق لفراشاتك لكي يحرقن أنفسهن مرة أخرى ، و لتأمر البرق القديم بإحراق الكبد .
_إن القوم مشردون في حاجة إلى طاقة ليتجهوا إلى الحجاز مرة أخرى ، و لتمنح البلبل الذي يطير بلا جناح ذوق الطيران .
_و أريج الحاجة يتضوع في براعم الروضة المضطربة ، فلتداعب الأوتار برفق ؛ فهي متعطشة لنغمة الريشة .
_إن النغمات مضطربة في انتظار الخروج من الأوتار ، و جبل الطور مضطر للاحتراق بهذه النيران .
_فلتيسر مشكلات الأمة المرحومة ، و اجعل النملة التي لا حول لها تنافس سيدنا سليمان .
_و لتكثر من بضاعة الحب النادرة ، و لتجعل من الجالسين في أديرة الهند مسلمين .
_إن نهر الدماء يتقطر حسرة على ماضينا القديم ، و الأنين حبيس في صدرنا المجروح .
_لقد حمل أريج الوردة سر الروضة خارج الروضة ، فيا لها من كارثة جنتها الوردة على حديقتها .
_لقد انتهى زمن الوردة و تحطم نغم الروضة ، و طارت الطيور المغردة من الحديقة .
_و ما زال أحد البلابل مستغرقاً في الشدو حتى الآن ، و تتلاطم الأنغام في صدره حتى الآن .
_و فر اليمام هارباً من على غضن الصنوبر ، و تناثرت أوراق الورود و هي مضطربة .
_و باتت دروب الروضة القديمة خالية ، و صارت الأغصان عارية من قمصان الورق .
_و تحررت طبيعته من قيود الفصول ، ليت أحد في الروضة يفهم شكواه .
_فلا طعم في الحياة و لا راحة في الموت ، و إن كان هناك لذة ففي تجرع ألم الكبر .
_فكم من الجواهر قلقة في مرآتي ، و كم من الجلوات ترتعد في صدري !
_فلا أحد من المشاهدين في هذه الروضة ، و لا شقائق النعمان التي تخفي أثر الحرقة في صدرها .
_فلتتفطر القلوب من صوت هذا البلبل الوحيد ، و لتستيقظ الأفئدة من صلصة هذا الجرس .
_و لتحيا القلوب مرة أخرى من عهد الوفاء الجديد ، و لتظمأ هذه القلوب من الخمر القديم مرة أخرى .
_و إن كنت أعجمي الدن فإن خمرتي حجازية ، و إن كنت هندي النغمة فإن صوتي حجازي