مرثية لستين عاماً
ستون عاماً
ولا يزال الزمن
يمرّ من بين أصابعي
كالماء.
كنتُ أظنّ
أن العمر نهرٌ مستقيم
يجري نحو البحر،
لكنني اكتشفت
أنّه غابةٌ من الطرق
كلُّ دربٍ فيها
ينتهي بظلّ.
في شبابي
كان قلبي
حصاناً بريّاً
يضربُ الأرض بحافره
ويفتحُ للريح أبوابها.
كنتُ أظنّ
أن العالم
أوسع من حزني
وأصغر من طموحي.
وأن السماء
يمكن أن تُمسَّ
إذا مددتُ يدي
قليلاً.
لكن الزمن
معلّمٌ قاسٍ.
كلما ظننتُ أنني عرفتُ الطريق
أغلق باباً
وفتح باباً آخر
في جهةٍ لا أعرفها.
الآن
حين أنظر إلى المرآة
أرى وجهاً
كتبت عليه الأيامُ
مذكّراتها.
خطوطٌ صغيرة
تمشي على الجبين
مثل طرقٍ قديمة
مرّت بها قوافل التعب.
وأقول لنفسي:
هذا أنا.
هذا الرجل
الذي كان يركض
خلف الأفق
عاد الآن
يمشي ببطء
ليتأمل الغروب.
تعلمتُ من الناس
أكثر مما تعلمتُ من الكتب.
تعلمتُ
أن الضجيج
ليس علامة الحياة،
وأن بعض القلوب
تبدو عامرة
لكنها
خاويةٌ
كبيتٍ مهجور.
تعلمتُ
أن الحسد
ظلٌّ طويل
يمشي خلف النجاح.
وأن الصديق
ليس الذي يضحك معك
فقط،
بل الذي
يبقى
حين يرحل الجميع.
جرّبتُ الأيام
كما يجرب البحّار
أمواج البحر.
مرةً
ترفعك الريح
كأنك ملك.
ومرةً
تتركك
وحيداً
على صخرةٍ باردة.
لكنني أدركت
بعد هذا العمر الطويل
أن المجد
ليس صوتاً عالياً
في المجالس،
بل أثرٌ هادئ
يتركه الإنسان
في قلوب الآخرين.
يا صديقي
لا تبحث عن السلام
في هذه الدنيا كثيراً.
فنحن
نزلاءُ طريق.
والطريق
لا يعطي المسافر
إلا ما يكفيه
ليواصل السير.
إن أردتَ المعالي
فلا تخف.
فالمجد
لا يفتح بابه
للذين يقفون بعيداً
يراقبون.
بل لأولئك
الذين
يمشون نحو الخطر
بخطى ثابتة.
وأنا الآن
بعد ستين عاماً
لم أعد أبحث
عن النصر.
بل عن معنى.
لم أعد أسأل
كم ربحتُ،
بل ماذا تركتُ
ورائي.
فالأجساد
تمضي.
والأصوات
تبهت.
والمجالس
تنفضّ
كما ينفضّ الغبار
عن طريقٍ قديم.
لكن شيئاً واحداً
يبقى:
أثرُ إنسانٍ
مرّ من هنا
وترك
في قلبٍ ما
ضوءاً صغيراً.
وحين يأتي المساء الأخير
ويغلق الزمن
كتابه ببطء
لن أسأل
كم عشتُ.
بل سأبتسم
إن عرفتُ
أنني حاولتُ
أن أكون
رجلاً
لم تؤذِه الحياة
في قسوتها
فنسي
أن يكون
نبيلاً
وحين يأتي المساء الأخير
ويغلق الزمن
كتابه ببطء
لن أسأل
كم عشتُ.
بل سأبتسمُ
إن عرفتُ
أنني حاولتُ
أن أكون
رجلاً
لم تُؤذِه الحياةُ
في قسوتها
فنَسيَ الأوجاعَ
في غمرةِ العطاء.
وأنني رغم العواصفِ
بقيتُ إنساناً...
يغرسُ في اليباسِ
كلمةً خضراء،
ويَمضي إلى اللهِ
بقلبٍ سليمٍ
وروحٍ
لم تتسخ بضجيجِ الزحام