حينَ مررتِ… تفتّحَ العمرُ زهرًا
وغنّى فؤادي مثلَ عصفورِ وَدَرْ
كانتْ خطاكِ خيالَ طيفٍ عابرٍ
لكنْ جَعلتِ الأرضَ تُزهرُ بالزُّهَرْ
عيناكِ نافذتانِ للكونِ الذي
ما زالَ يَخفي سرَّهُ بينَ البَشَرْ
لمّا ابتسمتِ، انحنى الليلُ الذي
طالَ انتظاري فيه، وانطفأَ الضَّجَرْ
قلبي الذي نامَ السنينَ مُقيَّدًا
أيقظتِهُ… فغدا صبيًّا مُحتَضَرْ
أعطيتِهُ معنى الوجودِ حقيقةً
حتى غدا الدمعُ ابتسامًا… لو ظَهَرْ
يا أنتِ، يا سرَّ الحكايةِ كلّها
يا وردةً، لا تعرفُ الذبلانَ يومًا أو كَبَرْ
إني كتبتُكِ في دفاتِر مهجتي
كي ما يزولَ الحُبُّ… أو يُمحى الأثرْ
حينَ مررتِ… تفتّحَ العمرُ زهرًا
وغنّى فؤادي مثلَ عصفورٍ غفا
كانتْ خطاكِ على الدروبِ قصيدةً
مُلقاةَ بينَ الريحِ، تنبضُ بالرُؤى
أدركتُ أنّ العمرَ يبدأُ لحظةً
تُعطيهِ عيناكِ اشتهاءً وارتِوى
أدركتُ أنّ الليلَ، مهما أرهقَتْ
أيامُهُ، ينهارُ إنْ جاءَ الضِّيَا
عيناكِ… نافذتانِ، يفتحُ سرَّها
حُلمٌ قديمٌ، لم يزلْ سرًّا جليْلْ
فيه ترى الأرواحُ معنى خالصًا
فيه يذوبُ الحزنُ، يَسقُطُ كلّ قيلْ
ما إنْ نظرتُ إليهما، حتى بدا
أنّي عرفتُ بأنّ قلبي مُستحيلْ
كيفَ استطعتِ، وأنتِ غيمٌ عابرٌ
أنْ تُوقظي في داخلي طفلاً عليلْ؟
لمّا ابتسمتِ… تلاشى صمتُنا
والليلُ أرخى ثوبَهُ، فانزاحَ غيمْ
ضوؤكِ أشرقَ، فاستفاقَ على دمي
عمرٌ، وكانَ يُظنُّ أنّ العمرَ حُلمْ
كأنّ شفتَيكِ لحنُ معجزةٍ هوى
من جنةٍ تُغري وتُبهجُ من تكلِمْ
أعطيتِ للدنيا خلاصًا لحظةً
ومسحتِ عن وجهي دموعًا لم تُهَممْ
قلبي الذي نامَ السنينَ مُقيّدًا
ها هو ذا… يستيقظُ اليومَ وليدْ
أيقظتِهُ أنتِ ابتسامًا طاهرًا
وغمرتِهُ شهدًا، وأغنيتِ الوعيدْ
صارَ الصغيرَ، إذا بكيتُ يُضحكني
صارَ الضعيفَ، إذا رجوتُكِ لا يحيدْ
لم أعلمِ الحبَّ القديمَ حقيقةً
إلا إذا جئتِ… فأدركتُ المزيدْ
يا أنتِ، يا سرَّ الحكايةِ كلّها
يا وردةً، لا تعرفُ الذبلانَ يومْ
كتبتُكِ في روحي قصيدةَ عاشقٍ
لتكونَ نبضي في الحضورِ وفي العَدَمْ
سأظلُّ أذكركِ الدفاترُ كلّما
مرَّ الغيابُ، وأوقدَ الذاكرةَ الندمْ
فالحبُّ عهدٌ، والقصائدُ موطنٌ
يبقى، وإنْ جارَ الزمانُ على القَلَمْ
كنتُ الصغيرَ، إذا رآكِ تفتّحَتْ
ألعابهُ وردًا، وطارَ إلى السَّما
في كلِّ لعبةِ طفلِ قلبي زهرةٌ
تنمو إذا ضحكتِ، تمحو ما انطوى
هل كنتِ تعلمينَ أنَّ وجودَكِ ال
بسيطَ، يكفي كي أعودَ كما صَبا؟
أنّي إذا لمحتُ عينيكِ اكتفَيْتُ
عن العالمينَ، وصرتُ أملكُ ما هَوى؟
في حضرةِ الشوقِ المساءُ مُرتجِفٌ
يُخفي قناديلَ الحنينِ على الخُطى
حتى النجومُ، إذا مررتِ، تهاوتْ
كالشُهْبِ، وانطفأتْ على صدرِ الفَضا
أنتِ المساءُ إذا أتى، متفرّدٌ
يُعطي الحياةَ دفءَ قُربٍ لا يُطى
من أينَ جئتِ؟ وكيفَ صِرتِ معابدي؟
أوَ كنتِ تعرفُ أنني صليتُ فيكِ ضَحى؟
لمّا التقيتُكِ، لم أعُدْ أذكرْ مَن ال
عالمُ حولي، أو مَنِ الناسُ ارتَجى
أدركتُ أني دونَ عينيكِ ضائعٌ
وإذا حضرتِ، غدوتُ سيّدَ مَن مَضى
أنتِ الانتماءُ لكلِّ روحٍ عابرةٍ
أنتِ الحكايةُ، والعنوانُ، والمَلجأُ الرجا
يا موطني، إنْ ضاعَ عني موطِنٌ
يكفي حضورُكِ كي أعيشَ كما اشتهى
ما إنْ مررتِ، حتى تساقطَ مطرٌ
من غيمِ قلبي، وانتحى في مقلَتي
كأنني لم أعشقِ الدنيا سوى
تلكَ اللحاظِ، وذلكَ الوَردِ الفَتي
الماءُ يكتبُ في الشوارعِ قصّةً
وأنا أُسجّلُها على صدرِ الدُّجى
حتى المطرْ صارَ اعترافًا صادقًا
أنّي وجدتُ حياتَ قلبي في اللّقَا
قلبي إذا مرّتْ خطاكِ تلعثمَتْ
أنفاسُهُ، وغدا كطفلٍ لا يَعي
كيفَ الكلامُ وقد تبعثرتِ الهوى؟
وكأنّكِ اللغزُ القديمُ بلا دَوي
أهديتُهُ جُرأةً لكي يُلقي السَّنا
لكنهُ غرقَ ارتباكًا في البُكا
أواهُ، ما أصعبَ على قلبي الهوى
إنْ مرَّ طيفُكِ، ضاعَ منطِقُهُ معي
ما كنتُ أظنُّ بأنَّ قلبي قادرٌ
أنْ يستعيدَ شبابَهُ بعدَ الذُّبولْ
لكنَّ عينيكِ اكتشافٌ مُدهِشٌ
أعطى لعُمري لونَ جَنةِ مُقبِلٍ
كلُّ الذي قد ضاعَ منّي، عادَ لي
كالنهرِ، يرجعُ في الربيعِ إلى السُّهولْ
هذا اكتشافٌ ليسَ يُشبهُ غيرَهُ
أنّي وجدتُكِ في الفراغِ… بلا دَليلْ
لم تحتجِي للكلماتِ، فكلُّ ما
فاضَ من عينيكِ، أوحى بالحكايا
في صمتِكِ المرهونِ، كنتُ أرى صدى
أشواقِ قلبي، أو ضحايا المرايا
أنتِ الكلامُ، وإنْ صمَتْ شفتاكِ عن
كلِّ اللغاتِ، فأنتِ لغةُ نجوايا
يا صمتَكِ الشفّافَ، كيفَ تغلغَلَتْ
معناهُ في قلبي، فأمسى موطنايا؟
أهديتني حُلمًا، فصرتُ ملاحقًا
في كلِّ زاويةٍ أراكِ بلا مَدى
يا ليتَني أبقى غريبًا، علّني
ألقاكِ صدفةً في الممرّ، بلا صَدى
يا ليتَني أبقى أسيرَ تذكّرٍ
حتّى يطولَ على يديَّ مدى النَّدى
أنتِ الحُلمُ الباقي، وإنْ أنا انتصرتُ
فبكِ، وإنْ أخفقتُ، كنتِ لي الرِّضا
لمّا اقتربتِ، ارتجفتْ كلُّ يدي
كأني طفلٌ ضاعَ عن حضنِ الأمَمْ
أنتِ اللمسةُ، إنْ أتتْ أحرقتْ دمي
لكنَّها نبعٌ يُبرّدُ ما احترَمْ
رهبةُ يديكِ، تُعيدني لبدايةٍ
كنّا بها أبرياءَ، نركضُ في النَّغَمْ
لو كنتِ تعرفُ ما تركتِ بلمسَةٍ
في القلبِ، ما كفرتِ يومًا بالكرَمْ
أنتِ النجاةُ، إذا غرقتُ بأبحُرٍ
لا موجَ فيها يُنقذُ القلبَ العليلْ
أنتِ النجاةُ، إذا تشظّى عالمي
وغدوتُ أبحثُ عن بقايا من سَبيلْ
كلُّ الذي أخشاهُ… أنْ أفنى بلا
ظلٍّ، فأنتِ الظلُّ في العمرِ الطويلْ
وإذا نجوتُ من المآسي، لم يكنْ
إلا لأنّي قد وجدتُكِ يا دَليلْ
أنتِ البُساتينُ التي وعدتْ يدي
أنْ لا تموتَ، إذا تساقطَ في الصَّدَى
أنتِ الوعدُ الأخضرُ الممتدُّ في
صحراءِ قلبي، يُنبتُ الحُبَّ الرَّخَا
يا أيُّها الوعدُ الجميلُ، دعِ الهوى
يمشي على دربٍ طويلٍ، لا يَفَى
لو لم تكوني، ما رأيتُ بُساتنًا
تسقي حياتي، أو تداوي ما بَقَى
غيابُكِ موسيقى حزينةُ نغمةٍ
تمشي على قلبي، وتُشعلُ ما بَقِي
حتى الغيابُ، إذا تذكّرتُ اسمَكِ ال
مكتوبَ في صدري، يفيضُ على دَمي
أواهُ، كيفَ يكونُ بعدَكِ صامتا؟
وكأنَّهُ وترٌ تكسَّرَ في نَغَمِي
لكنَّهُ رغمَ البُعادِ، يظلُّ لي
لحنًا قديمًا في فؤادي لم يَمُتْ
بينِي وبينَكِ ألفُ سرٍّ لم يُقَلْ
لكنَّهُ مكتوبُ في لحظِ العيونْ
نقرأْهُ، دونَ حروفِنا، في صمتِنا
ونعودُ نَسكُبُهُ على كفِّ السكونْ
كلُّ الحكايةِ أننا نُخفي الهوى
ونُذيعُهُ في نجمةٍ أو في فنونْ
لو كانَ سرًّا، فالهَوى يَفضحُهُ
همسُ القلوبِ… وإنْ سكتنا، يا حُنونْ
عُدتُ إليكِ كقيامةٍ بعدَ الردى
قد قُمتُ من موتي إليكِ بلا دُعَا
أحيا، كأنَّ العمرَ عادَ جديدَةً
وكتبتُ من وجعٍ، ومن فرحٍ مَضَا
قيامةُ العاطفَةِ الكبرى معي
أنّي وجدتُكِ بعدَ طولٍ قد جَفَا
أنتِ البدايةُ، إنْ ظننتُ النهايةَ، أو
أنتِ النهايةُ، حينَ يبدأ بي الهوى
ها قد كتبتُكِ في الفصولِ جميعَها
أغنيةً تبقى على مرِّ الزَّمانْ
مهما تغيّرَتِ الليالي، أو مضتْ
ستظَلُّ عيناكِ البدايةَ والعَنَانْ
الحُبُّ أكبرُ من يزولَ بخاطِرٍ
أو ينتهي في فجأةٍ وسطَ الأمانْ
يكفي بأنَّكِ حينَ مرّتْ خطوتُكِ
تفتّحَ العمرُ… فصارَ زهرًا لا يَهَانْ