تخطَّ إلى المحتوى

قلبي تجرع من أخبارها وجعا

غير معروف

٤٢ بيت

المتفرقات

قلبي تجرّعَ مِنْ أخبارِها وجعا

واهتزّت الروحُ مِنْ أعماقِها فَزعا

الحالُ ليلٌ فلا بدرٌ أضاءَ دجًى

ولا سناءٌ بوقتِ الفجرِ قد سَطعا

ممّا رأيتُ شغافُ القلبِ مُنتَزَع

والحزنُ هشّمَ ضلعَ الصدرِ واقتلعا

بغداد أبكي وأبكي قبل صرختِها

حين التصبّرُ في أوجاعِها طبعا

والهْفتاه لبغداد العدى سلبوا

منها الأمانَ وجفنُ العينِ ما هجعا

تكفكفُ الدمعَ والأنقاضَ ترفعُها

والعزمُ فيها فمٌ بالنصرِ قد صدعا

فيها الشوارعُ حمراءٌ يلوّنُها

دمٌ أُسيلَ على أعتابِها اندفعا

في كلّ حينٍ ذئابُ الغدرِ تنهشُها

كأنّما القتلُ في أنحائِها شُرعا

ما قاربَ الموتُ عزمَ الواثبين بها

وكلّ عزمٍ إذا لاقى الردى خَضعا

بالصبرِ قامتْ كأنّ الصبرَ محزمُها

وفي المصائبِ لم تخنعْ لها جَزعا

لم يسمع العربُ اللاهون صرختَها

ولا الغزاةُ، وكلُّ الكونِ قد سَمعا

نادتْ بصوتِ الإبا والأنفجارُ دَوى

والعصفُ أنْسفَ والدخّانُ قد تَبعا

جمْعٌ مِنَ الناسِ ألوانٌ عقائِدهم

تترى الشظايا على أجسادهِم سَفعا

راعي المذابح ما رقّتْ عواطفُه

رغم الضحايا، عن التقتيلِ ما ارْتدعا

بدون ميْزٍ عموم الخلقِ غايتهم

بل أحرقوا مَنْ إلى أشلائهم فَزعا

ما ذنب طفلٍ وشيخٍ أو فتى يفع

أوصالهم قطعاً تعلو السما دُفعا

الكادحون إلى أرزاقهم قُتلوا

والأهلُ تنظرهم شوقاً ومنتفعا

مثلُ البدورِ فتى ضاعتْ ملامحُه

تحت الركامِ ومِنْ آمالِه انْتُزعا

عند الرصيفِ فقيرٌ بائعٌ فُلقتْ

بالعصفِ هامتُه والكتفُ قد خلعا

وفي الطريقِ عجوزٌ هُدّ كاهله

قد مزّقته الشظايا حانياً وجعا

تجاهدُ الروحُ فيهم كلّ واجهةٍ

ولم تجدْ في كفافِ العيشِ متسعا

بسْم الرحيم أُسيق الأبرياءُ إلى

نارٍ فلو إنّ ماساً مسّها انْصدعا

بئساً لفكرٍ بذكرِ الدين متّخذ

للظلمِ باباً وللدنيا وما ورَعا

قومٌ مقطعةٌ أشلاؤهم فُقدت

ممزوجةٌ بترابٍ بالدما زُرعا

فاخْضرّت الأرضُ والأوصالُ بذرتها

والغصنُ أُثقلَ محمولاً بما نفعا

جذرُ الضحايا نمى للثأرِ مئذنةً

وللسلامِ نداءً حيثما افْترعا

شعبٌ جريحٌ وباتَ الجرحُ ساعدَه

فكسّرَ القيدَ والطغيانَ قد صفعا

يجثو لعوزٍ وخيرُ الله حاملُه

كنز إلى الشعبِ منْ إيتائه مُنعا

يصارعُ القهر آلاماً ويجرعُه

مَنْ ذاقَ ما ذاقَ أو مِنْ بعضهِ هَلَعا

رغم المجازرِ والتفريقُ لامسهُ

شعبٌ إلى الظلمِ والعدوانِ ما ركَعا

ما ساومَ الشعبُ جوراً في مبادئهِ

ولا بوعدٍ مِنَ الأشرارِ قد خُدعا

هل كفّ عنك الردى بغداد أسألُها

أو زالَ عنك غبارُ الحربِ وانقشَعا

أو لا تزالُ حشودٌ للعدى جُمعت

من كلّ فج شراراً شرّ ما جُمعا

لو ذقتِ يوماً أجاجَ المهلكاتِ فقدْ

سقاكِ ربّك ماءَ الخلدِ مُذْ وضعا

رحماك ربّي بشكواها إذا انْتحبت

فالحزنُ طالَ وقلبُ الأمّ قد فُجعا

مِنْ خيرِ بغداد أمّي صدرُها لبنٌ

منه الفؤادُ ارْتوى عزّاً بما رضعا

نهران فيها وفي أجوائِها سعفٌ

يظلّلُ الأرضَ مجداً حيثما ارْتفعا

للعزِّ تبني مِنَ الأحرارِ ملحمةً

فأوجع الذلُّ مِمّنْ ناخَ أو خضعا

بغداد اقرأُ سفراً كلّما امْتُحنت

حتّى غدوت لذاك السفر مُنقطعا

ما كنت فيها مغالٍ حين أوصفها

أوكنت فيها جهولاً باتَ مُبتدعا

عذراً لبغداد سيفُ الجوْرِ أبعدني

عنها الدهور ولا زالتْ لي الوَجعا

ياليت ربّي إلى بغداد يُرجِعُني

فالعينُ تاقت لها والبالُ ما شبعا